خطاب العرش ليوم 29 يوليوز 2026: ترسيخ المكتسبات باعتباره نموذجًا للحكامة
يندرج الخطاب الملكي ليوم 29 يوليوز 2026 في سياق الاستمرارية التي تطبع التوجهات الاستراتيجية الكبرى التي ميزت تطور المملكة خلال السنوات الأخيرة. فبعيدًا عن الإعلانات الظرفية، يقدم الخطاب قراءة للعمل العمومي ترتكز على مبدأ موجِّه يتمثل في ترسيخ المكتسبات الوطنية باعتباره شرطًا لتحقيق الاستقرار السياسي، والسيادة الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي.
وفي سياق دولي يتسم بالتوترات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية، والتحديات المناخية، وحالة عدم اليقين الاقتصادي، يبرز الخطاب ضرورة الحفاظ على المسار الذي اختارته الدولة، بمعزل عن الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر 2026. والرسالة واضحة: ينبغي أن تتقدم الاستمرارية الاستراتيجية للدولة على منطق التداول السياسي، بما يضمن استدامة الأوراش الوطنية الكبرى.
ويعكس هذا التوجه تصورًا للحكامة يجعل من الدولة الضامن الأساسي للاستقرار، بينما تُدعى المؤسسات المنتخبة إلى تأطير عملها ضمن إطار استراتيجي سبق تحديد معالمه. إنها مقاربة تقوم على الاستمرارية المؤسساتية، وهي سمة تميز العديد من الدول المنخرطة في سياسات التحول الهيكلي طويلة الأمد.
ومن بين المؤشرات التي أبرزها الخطاب، يبرز رقم 20 مليون سائح استقبلتهم المملكة خلال سنة 2025، بمن فيهم المغاربة المقيمون بالخارج، باعتباره مؤشرًا قويًا على استعادة المغرب لجاذبيته. ولا تقتصر أهمية هذا الرقم على بعده الإحصائي، بل يعكس أيضًا الدور المتنامي للجالية المغربية في التنمية الاقتصادية، والاستثمار، وتحويلات الأموال، وتعزيز الحضور الدولي للمملكة.
كما سلط الخطاب الضوء على التقدم المحرز في تعزيز السيادة الوطنية من خلال تغطية نحو 80 في المائة من الاحتياجات في مجالي الصحة والغذاء. ومن دون الادعاء بتحقيق اكتفاء ذاتي مطلق، فإن هذا التوجه يعكس إرادة سياسية للحد من التبعية الخارجية في القطاعات الاستراتيجية. وقد عززت الأزمات الصحية والجيوسياسية التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة هذا التوجه نحو بناء قدر أكبر من الصمود الاقتصادي في العديد من الدول.
وعلى المستوى الصناعي، تعكس الإشارات إلى قطاعي صناعة السيارات والطيران الارتقاء التدريجي للاقتصاد المغربي. فقد أصبحت هاتان الصناعتان اليوم رافعتين أساسيتين للاندماج في سلاسل القيمة العالمية، وخلق فرص شغل مؤهلة، ونقل التكنولوجيا، بما يجسد استراتيجية لتنويع الاقتصاد تجاوزت القطاعات التقليدية.
كما تناول الخطاب قضية المناخ، مشيرًا إلى أن التساقطات المطرية المسجلة خلال السنة ساهمت في تحسين ملموس للوضعية المائية، رغم الأضرار الكبيرة التي خلفتها الفيضانات في بعض المناطق، ولا سيما شمال المملكة. ويؤكد هذا الواقع أن سياسات التنمية مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بإدماج قضايا الوقاية من المخاطر، والتكيف مع التغيرات المناخية، والتهيئة المجالية.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعاد الخطاب التأكيد على مكانة المغرب باعتباره فاعلًا إقليميًا موثوقًا وشريكًا يحظى بالاعتراف على الساحة الدولية. ويستند هذا الاعتراف إلى الاستقرار المؤسساتي بقدر ما يستند إلى ثبات التوجهات الاستراتيجية التي تنتهجها المملكة. ولا تزال صورة الدولة العريقة، ذات المؤسسات الراسخة والقادرة على إنجاز إصلاحات ممتدة في الزمن، تشكل عنصرًا أساسيًا في تموقعها الدولي.
ولعل من أبرز ما ميز الخطاب إبراز الاستقرار السياسي باعتباره مصلحة عامة أساسية، ليس بوصفه غاية في حد ذاته، وإنما باعتباره شرطًا مسبقًا لإنجاح سياسات التنمية، وتعزيز الجاذبية الاقتصادية، وترسيخ ثقة الشركاء الدوليين. وفي هذا الإطار، يبرز التعميم التدريجي للحماية الاجتماعية باعتباره أحد أعمدة العقد الاجتماعي المغربي الجديد.
بعض الملاحظات
ومع ذلك، تبرز ملاحظتان تستحقان الوقوف عندهما من منظور تحليلي.
تتعلق الأولى بالحضور المحدود لموضوع الجهوية المتقدمة. فعلى الرغم من أن هذا الورش يشكل أحد أهم مكونات الإصلاح الترابي، ويُقدم باستمرار باعتباره أداة لتعزيز الوحدة الترابية للمملكة، خاصة في ظل تنامي الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، فإن هذه القضية لم تحظ بتناول معمق في الخطاب.
أما الملاحظة الثانية فتتعلق بدور الفاعلين الوسيطين. فبينما أشار الخطاب إلى الانتخابات المقبلة باعتبارها محطة مؤسساتية مهمة، ظل حديثه مقتضبًا نسبيًا بشأن المسؤوليات الملقاة على عاتق الأحزاب السياسية، والجماعات الترابية، والمنظمات المهنية، ومكونات المجتمع المدني في مواكبة السياسات العمومية الكبرى. والحال أن نجاح الإصلاحات الهيكلية يرتبط أيضًا بقدرة هذه الأطراف على تعزيز المشاركة المواطنة، والحوار الاجتماعي، والتملك الجماعي للتحولات الجارية.
ولا تمس هذه الملاحظة، بأي حال من الأحوال، بمركزية المؤسسة الملكية داخل النظام السياسي المغربي، وإنما تدعو إلى التفكير في سبل بناء حكامة أكثر تكاملًا، تجمع بين الدفع الاستراتيجي الصادر عن أعلى مستويات الدولة، وتعبئة مختلف الهيئات الوسيطة للمساهمة في تنفيذ السياسات العمومية.
خاتمة
يؤكد الخطاب الملكي ليوم 29 يوليوز 2026 أن المملكة تراهن على استراتيجية تقوم على ترسيخ المكتسبات بدل القطيعة. فقد أصبحت مفاهيم الاستقرار، والسيادة الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والاستمرارية المؤسساتية، تشكل المرجعيات الأساسية للعمل العمومي.
ومن خلال هذا التوجه، يسعى المغرب إلى التوفيق بين التحديث الاقتصادي، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتقوية جاذبيته الدولية، وترسيخ سيادته. وسيتمثل التحدي خلال السنوات المقبلة في تحويل هذه التوجهات الاستراتيجية إلى نتائج مستدامة، مع تعزيز مشاركة المؤسسات التمثيلية، والفاعلين الاقتصاديين، ومكونات المجتمع المدني. ومن المرجح أن يكمن أحد أهم رهانات تنمية المملكة في تحقيق هذا التوازن بين القيادة الاستراتيجية، وفعالية العمل العمومي، والتعبئة الوطنية.
ـ أخصائي في علم النفس الاجتماعي، وأنثروبولوجي، ووسيط في التواصل بين الثقافات