خيار الاستقالة الجماعية.. تهرب غير محسوب نحو المجهول
من الأكيد أن الدفاع عن المحاماة وعن استقلالها وأدوارها الكبرى في مجال العدالة ودولة القانون، ما هو سوى إحدى تجليات مسؤوليات كل محامية ومحامٍ، وفي مقدمتهم النقباء والمجالس.
ومن الأكيد أن المحاماة كانت منذ القدم معرضة لمؤامرات ودسائس تريد مسخها وإبعادها عن الفعل القانوني والمجتمعي والأخلاقي الجاد والضروري في بناء مسار الديمقراطية والعدالة والاستقرار، وهي المحاماة التي يعرف عنها التاريخ والحضارات أنها مهنة المقاومة والمعارضة والبناء، توظف مقامها ومقوماتها بذكاء ويقين في تنزيل حماية وتطبيق حكم القانون وسيادته، وأسس المحاكمة العادلة، ولا تخشى من أجل ذلك سيوف السلطة وحكامها.
وليس الصراع من أجل الحفاظ على المكتسبات التاريخية التي تحققت بفضل عمل شاق وطويل للمحامين/ت في ميدان المحاماة، بل في مجالات إصلاح القوانين وترشيد نزاهة المؤسسات وإشاعة قيم حقوق الإنسان ومحاربة الفساد، بالأمر البسيط والهين.
غير أن المواجهات التي دُفع المحامون/ت إلى فتحها كانت وسيلة دفاع أولا عن المؤسسات المهنية، ثم عن مهنة المحاماة، وأخيرا عن مؤسسات العدالة نفسها ومعهم المرتفقون المستهلكون لخدمات العدالة وقراراتها، وكان من الضروري قيادة المعارك المشروعة بكل مسؤولية وبكل اليقظة والحيطة، مع توقع أن خصوم المهنة ليسوا أشباحا، بل لهم مصالح وحسابات أكبر من المحاماة ينطلقون منها، ولهم سقف لن يسمحوا للمهنة ولا للمحامين بتجاوزه، سواء كان الحوار مع وزير أو كان مع غيره من المسؤولين الحكوميين، بما فيهم رئيس الحكومة، الذي هو قائد الفريق الحاكم ومهندس المواقف ومخطط التوجهات، ومن الخطأ التفريق بينه وبين غيره من أعضاء الحكومة، فهذا القول ضعيف في بنائه من أوله إلى نهايته، مما يجعل خطاب الدفاع عن رئيس الحكومة خطابا لا يرى الأمور على حقيقتها، ومن الخطأ الاستنتاج بأن الفرق البرلمانية لا تتوصل بتوجيهات الأغلبية الحاكمة، وكأن البرلمان مستقل عن الحكومة، وكأن البرلمان مستعد أن ينتحر في سبيل الجمعية أو المحامين أو النقباء…
لقد كان من الضروري، في اعتقادي، أن يتم التفكير، بعد نقل مشروع القانون إلى البرلمان، في منهجية تعامل جديدة وبلغة تتناسب مع أغلبية برلمانية لها التزامات سياسية مع الحكومة، ولا يمكنها أن تذهب بعيدا ضد توجهاتها وتحالفاتها، لكنكم اخترتم الصمت، مع الأسف، وعدم الظهور على الواجهة لأسباب ربما اقتنعتم بها لوحدكم، وفهم العديد من المحاميات والمحامين بأن الهدنة اختيار سياسي منكم، وأمر نابع من اتفاق بينكم بالجمعية والحكومة، غير أنني أعتقد بأن توجهكم هذا لم يكن موفقا، لأن الصمت وقطع العلاقة مع الرأي العام المهني لعبة خطيرة، لأنها كادت أن تفجر صبر جمهور المحامين/ت، وشكلت مصدر قلق، بل وانشقاقات مهنية، وضعتكم الجمعية بسببها في قفص التساؤلات عن خلفيات تكتمكم عما جرى بينكم وبين رئيس الحكومة، وبينكم وبين البرلمانيين، وعلى ماذا اتفقتم، وعلى أية قضايا اختلفتم… فتحملنا، كمحاميات ومحامين، متاعب مواقفكم وآثار سياستكم، وبالرغم من ذلك التجأنا للحكمة وصمتنا بدورنا، وتجرعنا أوجاع دواء الصبر، وتركناكم بالجمعية تمسكون بالتستر ومنهجية الاستفراد بالمعلومة، وتركتم حماس المحاميات والمحامين يتوارى وراء الانتظار، وكانت النتيجة أن تم التصويت وإخراج النص من لجنة العدل بمجلس النواب كما هو عليه بأغلبية 16 صوتا ضد 7 أصوات.
لقد جاء بلاغ مكتب الجمعية يوم الجمعة الخامس عشر من ماي، وكأنه يعلن الندم على مسار التفاوض وحيثياته ونتائجه، وليقدم الدواء الذي قد يشفي أو يخفف الصدمة على المحاميات والمحامين، ويعلن عن رفع مستوى الاحتجاج إلى مرحلة التهديد بالاستقالة الجماعية للهيئات، نقباء ومجالس.
إن الإعلان عن احتمال الاستقالة الجماعية موقف أراه شخصيا هروبا من المسؤولية من قبل مؤسسات الهيئات المنتخبة، وتخليا عن مهام أسندت إليها في إطار اختيار انتخابي مهني ديمقراطي للمجالس وللنقباء.
كما أن الإعلان عن موقف الاستقالة أو التهديد بها أمر غير مفهوم وغير محسوب الأبعاد، وسيشكل ضربة لهوية المحاماة وهوية المحامين، لأنهم نساء ورجال الصمود وعدم الاستسلام أمام ملفاتهم المعقدة، مهنية كانت أم سياسية، كما أن التهديد بالاستقالة أو الدعوة إليها يعتبر، في اعتقادي، عزلا لممثلي الهيئات عن جذورهم، وتنازلا منهم عن أمانة التمثيل المؤسساتي، بل هو موقف سيضعف الهيئات بدل تقويتها، وسيفجر تناقضات في أوساط المحامين، وسيخلق فرصة لإضعاف الهيئات وتجاوزها.
إن رفع شعار تقديم الاستقالة خطأ قاتل وهدية لمن يريد المزيد من السطو على المهنة وعلى مقاليد القرار فيها، فضلا عن أن خيار الاستقالة سيعبر بوضوح عن عدم قدرة مكتب الجمعية على تدبير الصراع وإبداع أنجع القرارات التي لا تقسم الوسط المهني ولا تبعد القيادات عن مقاليد المسؤولية، إلا إذا كان الأمر مجرد فلتة قلم أو تجربة إعلامية لا غير… وحتى هذا الاستنتاج لن يقبل منا ومن مكتب الجمعية في ظرف تاريخي وسياسي يجتازه المغرب، وتكثر فيه التجاوزات ضد حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ويحتاج فيه المرتفقون لرجال ونساء المحاماة، الدرع المهني والضامن للأمن القانوني لهم، ناهيكم عن أن مقترح الاستقالة المطروح هو قرار سياسي بقوة، يحتاج إلى نقاش عميق وواسع غير مقتصر على عدد قليل ومحدد من أعضاء مكتب الجمعية، بل هو قرار يخرج أصلا عن صلاحيات النقباء، ولا علاقة له بمهامهم، لأن من منحهم الثقة هم المحاميات والمحامون، وهؤلاء هم أصحاب الكلمة في موضوع الاستقالة.
إن شعار الاستقالة الجماعية للنقباء والمجالس موقف سياسي كبير، معقد وغير سهل، قد يشكل خطرا على المهنة نفسها وعلى بقائها ومصيرها، عكس ما قد يمكن أن يكون إيجابيا فيه، وهو موقف كان من الممكن أن يكون مناسبا لو توفرت أسبابه السياسية وظروف اصطدام قوية أخرى، مثل الظروف التي أشعل فتيلها الرئيس أنور السادات سنة 1981 لما قرر حل نقابة المحامين بمصر بسبب مواقفها من اتفاقيات كامب ديفيد أساسا، واعتقال النقيب وأعضاء المجلس واتهامهم بمعارضة السلطة وتوجهاتها بعد زيارة السادات لتل أبيب، حيث فجر القرار الغضب الشعبي والمهني، وتصدى له نقيب المحامين بمصر المرحوم أحمد الخواجة ومعه مجلس الهيئة، حيث التجؤوا إلى قضاء المحكمة الدستورية التي انتصرت للشرعية وصرحت بعدم دستورية قرار الحل رغم أن القرار صدر بعد اغتيال الرئيس، ومثل السابقة المهنية التي دفعت نقابة المحامين بدولة كوادلوب سنة 1935 إلى الاستقالة الجماعية احتجاجا على وضعية المحامين المهددين من قبل المستعمر وبسبب محاصرة الحريات، وبالتالي فرفع شعار الاستقالة الجماعية للهيئات، بقدر قوته ومخاطره المبدئية، بقدر ضعفه في أسبابه وتوقيته.
كان عليكم، بمكتب الجمعية في اعتقادي، السيد الرئيس، أن تعلنوا في بلاغكم وتقدموا كل الأسباب التي كانت وراء النتيجة التي انتهت إليها مسارات التفاوض، وأن تلخصوا النقاش المؤسساتي بينكم وبين فريق الحكومة تحت رئاسة رئيسها، فقد بشرتم بالتفاهم وبالحوار الصادق، ولكنكم غفلتم إشعارنا بضعف أو بأخطاء المكتب في بناء خطط المفاوضات، وإخبارنا بما أنتم مختلفون فيه بينكم كمكونات مكتب الجمعية، ولا شك أنه كانت هناك اجتهادات لم تكن محل إجماع بينكم، ولا شك أنه كانت هناك مصالح ربما لم تنتبهوا إلى تسربها وسط مكتبكم… إلخ. هذه وغيرها عناصر حدثت أو حدث بعضها، وكان من الضروري تقديرها في النتيجة التي انتهت بها المناقشات مع الطرف الحكومي.
كما أن المكتب لم يعلن خلاصاته بعد مداولاته مع الفرق البرلمانية ومع لجنة العدل وحقوق الإنسان بالبرلمان بانتماءاتها السياسية المختلفة، وما هي الضمانات التي قدمت إليه، وما هي حدود الثقة التي كانت لديه في بلوغ انتصار محقق، وكيف يفسر نتيجة التصويت بالعدد المعروف في نهاية النقاش…
إنه، في اعتقادي، يرجى منكم، وبلغة الاقتراح، أن تتجنبوا المزايدات وألا تركبوا على الانفعال، وأن تتفادوا الدخول في حسابات خاسرة مثل الاستقالة الجماعية، لأنني أشعر بأن خطورتها أكبر من وقعها السياسي الظرفي والحماسي، ومن هنا لا بد، في رأيي، من عقد جموع عامة للهيئات مع المحاميات والمحامين، للجواب عن تساؤلاتهم، وبيان مكامن الغموض بخصوص حيثيات القرار ومبرراته، وشرح أسباب فشل التعامل مع الحكومة ومع البرلمان، رغم الصور اللامعة التي التقطت لمكتب الجمعية ليظهر لنا الارتياح والرضا، وأن تعتبروا وتعترفوا أنكم ضعفاء من دون المحامين، وأن ترجعوا لتعبئة المحامين حتى يشعروا بأنهم يقودون مصيرهم مع النقباء، وأنهم غير مقتادين من تلابيبهم وراء المجالس، بل هم أطراف أساسية في اتخاذ القرارات المصيرية.
عليكم، بمكتب الجمعية، أن تعبئوا المحاميات والمحامين، وأن ترجعوا للتواصل الحقيقي والمهني معهم بعد أن قطعتم الصلة بهم ومنعتم المعلومة عنهم، ليظلوا بدورهم على تواصل وثقة بكم ومعكم، عليكم أن تبثوا الحياة في الهيئات من جديد، بعد أن دب الضعف لبعضها، فالهيئات المهنية ومؤسساتها الحية والحيوية واستمرارها وتصديها لضربات السلطة والتسلط هي وحدها القادرة على خلق المستقبل، والاستمرار في صمودها وثباتها في مكانها هو التعبير عن هوية المحاميات والمحامين.
إن التفكير أو الإشارة إلى انسحاب النقباء والمجالس من مسؤولياتهم، إن حصل، لن يسجله التاريخ إلا في صفحات الفشل، ولن يقرأه الرأي العام إلا القراءة السلبية، لأن المحامين لا يتركون الفراغ ولا يتهربون من تحمل المسؤولية، فلن ينتصروا إلا وهم في مواقعهم ومؤسساتهم يمارسون واجباتهم ومعهم كل المحامين.
أناديكم بعدم الدخول في تجربة لن نحصد من ورائها سوى الانتصار المزيف.