داخل إيران… بين رواية الحصار وقلق الشارع

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في إيران، لا يبدو الحصار البحري عليها من الولايات المتحدة إجراء عسكرياً فحسب، إذ يتم تقديمه كمعركة سيادية على مضيق هرمز. وبينما يروّج الخطاب الرسمي لفكرة السيطرة و"الورقة الرابحة"، يتعامل الشارع مع الأزمة من زاوية مختلفة، إذ تتقدّم المخاوف الاقتصادية والمعيشية على أي اعتبارات أخرى، في وقت تتقاطع فيه التهديدات مع محاولات فرض وقائع جديدة على الملاحة.

رواية السلطة: هرمز كورقة قوة
يعتبر المسؤولون الرسميون في إيران أنّ مضيق هرمز أهم من القنبلة النووية، ويرونه "ورقةً رابحة" بيد طهران في مواجهتها مع واشنطن، في وقت يشعر الشارع الإيراني بقلق بالغ من احتمال تصاعد التوترات وتداعياتها السلبية على الاقتصاد والمعيشة، خصوصاً أنّ أي حصارٍ بحري على الموانئ الإيرانية سيوجّه ضربةً قاسية للتجارة الخارجية. وقد بدأت المواجهة حول المضيق بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، مع إعلان طهران أنّه تحت مرمى نيرانها وأنّ أي سفينة لا تنسّق معها قبل عبوره ستُعتبر مخالِفة، ما أدّى إلى ارتفاع المخاطر وقفزة حادة في أسعار النفط وصدمة في الاقتصاد العالمي.
في المقابل، حاولت الولايات المتحدة فرض معادلة مختلفة عبر تكثيف هجماتها، من دون أن تنجح في تعطيل القواعد الصاروخية الإيرانية، فيما أعلنت طهران نيتها فرض نظام قانوني للملاحة ورسوم عبور، قبل التوصل إلى وقفٍ مؤقت لإطلاق النار. لكن وضع المضيق بقي معلَّقاً، مع خطوات إيرانية لترسيم مسارات الملاحة وزرع الألغام في الجنوب، مقابل إعلان "سنتكوم" العمل على فرض حصار على الموانئ الإيرانية، في حين حذّر "الحرس الثوري" من أنّ أي محاولة لتنفيذه ستُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، مؤكداً أنّ أي تهديد لموانئ إيران سيقابله تهديد مماثل لموانئ المنطقة.

الشارع: القلق يتقدم على الخطاب
هذه التطورات أثارت في الداخل الإيراني قلقين رئيسيين. الأول، الخشية من أن تؤدي التهديدات المتبادلة إلى استئناف الحرب قبل انتهاء مدة وقف إطلاق النار. والثاني، تداعيات توقف حركة السفن إلى الموانئ الإيرانية على الاقتصاد، إذ إنّ أكثر من 80 في المئة من تجارة إيران مع العالم تمر عبر موانئها الجنوبية، ما يعني أنّ تطبيق حصار بحري فعلي سيؤدي إلى تقلّص التجارة البحرية إلى نطاق ضيق يقتصر عملياً على بحر قزوين، غير المتصل بالمياه الدولية، وعلى ميناء تشابهار.
وقد أثار هذا الاحتمال موجة واسعة من القلق لدى التجار، خوفاً من الأضرار التي قد تلحق بأعمالهم، ولدى المواطنين من احتمال نقص السلع في الأسواق. وكانت إيران، قبيل اندلاع الحرب الأخيرة، تمرّ بمرحلة غير مسبوقة من الركود الاقتصادي والتضخم الحاد، وتشير تقديرات الخبراء إلى أنّ الحرب والأضرار التي لحقت بالمصانع ستؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي، وأن تضخماً يتجاوز 100 في المئة ليس مستبعداً. وخلال الأيام الأخيرة، شهدت أسعار السلع الاستهلاكية ارتفاعاً ملحوظاً، مع ترجيحات بأن تظهر الموجة الحقيقية من الغلاء خلال الشهرين المقبلين، بالتزامن مع موجات واسعة من تسريح العمال في القطاع الخاص بعد عطلة عيد النوروز.
منذ اندلاع الحرب، تجاوزت تداعيات الأزمة حدود الميدان العسكري لتصيب قلب الاقتصاد الإيراني. ففي الاقتصاد، لا يوجد قطاع صناعي أو خدمي يمكن أن يعمل كجزيرة معزولة؛ فأي ضرر يصيب منشأة إنتاجية أو خدمية ينعكس مباشرةً على سلسلة التوريد المرتبطة بها. فعلى سبيل المثال، إن قصف مجمّع لإنتاج الفولاذ يؤدي، من جهة، إلى فقدان المناجم التي تستخرج خام الحديد لأهم زبائنها، ومن جهة أخرى، إلى إرباك القطاعات اللاحقة في السلسلة، مثل صناعة السيارات وقطع الغيار والأجهزة المنزلية ومشاريع البناء. هذه الاختلالات المتسلسلة تنعكس مباشرة على أوضاع العمالة وأمنها الوظيفي.
إلى جانب ذلك، ألحق قطع الإنترنت غير المسبوق في إيران خسائر فادحة بالأعمال التي تعتمد على الاتصالات والفضاء الافتراضي، إذ تُقدَّر الخسائر بنحو 18 مليار دولار نتيجة انقطاع دام 43 يوماً.

 

عمال يبنون حائطاً أمام مبنى سكني في طهران، دمرته ضربات جوية أميركية–إسرائيلية. (أ ف ب)

 

الحصار بين الضغط والواقعية
في مقابل هذه المخاوف، يرى بعض المراقبين أنّ الحصار البحري الذي أعلنته الولايات المتحدة قد لا يكون قابلاً للتنفيذ عملياً، وأنه يُستخدم كورقة ضغط من أجل التوصل إلى تفاهم مع إيران بشأن مضيق هرمز. وأشار الخبير في الأمم المتحدة سامي عسكر إلى أنّ طول السواحل الإيرانية يبلغ نحو 2800 كيلومتر، وأنّ لدى إيران 45 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة. ورأى أنّ الحصار، إذا طُبّق، قد يضرّ بحلفاء الولايات المتحدة، ولا سيّما دول الخليج، أكثر مما يضرّ بإيران، فضلاً عن احتمال تصعيد إيراني عبر تعطيل طرق التجارة في المنطقة.
من جهة أخرى، حذّر الخبير السياسي الإيراني محمد مهاجري من أنّ مضيق هرمز "ورقة ثمينة"، لكنه نبّه إلى أنه لا يمكن ضمان دوام هذه الورقة، داعياً إلى الإسراع في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. كما قال نائب المدير التنفيذي لـ"معهد كوينسي" تريتا بارسي إنّ تنفيذ الحصار قد يدفع الحوثيين إلى استئناف هجماتهم في البحر الأحمر، ما قد يرفع أسعار النفط إلى حدود 200 دولار للبرميل.
مع ذلك، لا يبدو أنّ الحصار البحري سيُطبَّق فعلياً، وحتى إن نُفِّذ فمن المستبعد أن يستمر طويلاً، في ظل مؤشرات على تحرّكات ديبلوماسية تهدف إلى تمديد وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات.
وتعكس التقارير صورة أكثر إيجابية نسبياً، إذ عبر نحو 400 سفينة المضيق خلال الأسابيع الأخيرة ملتزمةً بالتعليمات التي أعلنتها إيران، وحتى بعد إعلان "سنتكوم" عن الحصار، تمكّنت ناقلة نفط صينية خاضعة للعقوبات من العبور، ما يشير إلى أنّ الطرفين يستخدمان التهديدات كوسيلة لانتزاع تنازلات، في وقت يبقى الداخل الإيراني عالقاً بين رواية الحصار وقلق الشارع.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية