"دولة في عنكبوت " من سلسلة "تأملات في عالم الحشرات والدولة
نعمت كريدلي
ربما ما سأكتبه سيكون غريباً بعض الشيء، لكنه قد يعبّر عن نقطة تحوّل في نوعية النظّارات التي نرتديها في كل مرحلة من حياتنا. قبل الحروب لم يكن عالم الحشرات يعني لي الكثير، وكنت أشمئزّ من رؤية معظمها. أما اليوم وبعد كل هذه الحروب التي سببها ما يسمى الحيوان العاقل، نظرتي إلى الحشرات تغيّرت؛ أصبحت أتأمل سلوك تلك الكائنات الصغيرة أكثر، أراقبها، أدوّن الملاحظات، أقارن حياتها بحياة الملايين من البشر. بدأت أحترمها وأتجنب أذيتها إذا لم تشكّل خطراً على حياتي.
حتى الآن، لم تلفتني حشرة بقدر ما فعله العنكبوت. بعد أن هُجِّرتُ من بيتي مرتين قسراً، ورأيت مدى سهولة تدمير البيوت ومحوها لدى البشر، أصبح العنكبوت بالنسبة لي أكثر من مجرد حشرة. العنكبوت يتحرى المكان قبل أن يبدأ ببناء شبكته (بيته)، يختار موضع شبكته بعناية، كأنه يوازن بين فرص الأمان وفرص الصيد قبل أن يشرع في البناء. اللافت في العنكبوت أنه يبني بيته من نفسه، أي أن مواد البناء ليست مستوردة كما هي الحال عند العصفور الذي يجمع الأغصان لبناء العش. فالعنكبوت ينتج مواد البناء ولا يستهلكها، وهذه أول دلالة وجودية تجعلني أقف احتراماً لاستقلاليته في تأمين المسكن الآمن. هل هذا كل ما يلفت في حياة العنكبوت؟ بالطبع، لا!
العنكبوت لا يستخدم شبكته كمنزل فحسب، بل كعمل ومورد رزق. طبيعة الخيوط الأساسية لشبكته مختلفة عن الخيوط التي ينهي بها الشبكة؛ هذا المهندس العبقري الصغير بعد أن يحسب المسافات بأرجله ويشيّد خيوطاً رفيعة هنا وأخرى سميكة هناك، ينتج نوعاً جديداً من الخيوط تحتوي على مادة لاصقة كي تعلق فيها الفرائس. يحقق رائد الأعمال الصغير إنجازاً آخر وهو الاستقلالية الاقتصادية، وبذلك يكون البيت الذي ينسجه ليسكنه هو ذاته الرغيف الذي يقتات منه ليس للبقاء فحسب، بل للتطور والتكيف مع المتغيرات والوصول إلى العيش الكريم!
فهل يمكن أن تستفيد الدولة الفاسدة من سلوك العنكبوت المزدوج في تأمين الأمان والاستقرار والنهوض الإقتصادي، من خلال طفرة وجودية ما تجعلها تنتج مسكنها ومأكلها وتُخضِع من يحاول افتراسها لقانون المصيدة الذاتية لتجعل منه فريسة تمدها بموارد إنتاجية لإعادة البناء؟