ديناميات الانتخابات التشريعية
بين الإصلاحات المعلنة والواقع السياسي – قراءة في ديناميات الانتخابات التشريعية المقبلة بالمغرب
مع اقتراب الاستحقاقات المرتبطة بـالانتخابات التشريعية المغربية، باعتبارها محطة مركزية في البناء الديمقراطي الوطني، تعود إلى الواجهة جملة من التساؤلات التي أضحت تتكرر مع نهاية كل ولاية تشريعية، إلى حد أنها تكاد تتحول إلى لازمة تحليلية في الخطاب السياسي. وفي هذا السياق، يطرح بإلحاح سؤال تجديد النخب السياسية، في مقابل فرضية إعادة توزيع مواقع التموقع داخل الحقل السياسي بين نفس الفاعلين التقليديين “الباترونا”، وسؤال طبيعة الانتماء السياسي: هل لا يزال يعكس تمثلا واعيا لمشاريع مجتمعية متمايزة، أم أنه انزاح نحو منطق براغماتي تحكمه ديناميات “الميركاتو” السياسي وإعادة الانتشار الحزبي؟ وبالموازاة مع ذلك، يثار نقاش حول مدى تجسيد هذه الاستحقاقات لجوهر الديمقراطية التمثيلية، أم أنها تنحو في بعض تجلياتها نحو إعادة إنتاج نفس الأنماط عبر “مسرحية” الفعل الانتخابي وتدخل السلطة “الحزب الدائم”، وماذا عن طبيعة التنافس الانتخابي ذاته: هل نحن أمام تنافس مؤطر ببرامج وسياسات عمومية بديلة، أم أمام تصاعد مقلق لمنطق المال الانتخابي وتأثيره على قواعد اللعبة الديمقراطية؟ ثم ماذا عن التحولات المرتبطة بوعي الناخب؟ هل نحن بصدد بروز وعي سياسي جديد قائم على المواطنة الفاعلة، أم أن بعض الممارسات لا تزال تعكس اختلالات مرتبطة بقابلية التأثير المالي على السلوك الانتخابي؟
وأخيرا، يطفو على السطح سؤال تشبيب الحياة السياسية: هل يتعلق الأمر بمسار حقيقي لإدماج الشباب في مراكز القرار، أم أن الخطاب حول التشبيب لا يعدو كونه توظيفا رمزيا يستهدف استمالة هذه الفئة دون تمكينها الفعلي” شعارات رومانسية تدغدغ مشاعر هذه الفئة”
إن تعدد هذه التساؤلات وتداخلها يفرض إعادة التفكير في دلالات هذه المرحلة، ليس فقط باعتبارها استحقاقا انتخابيا دوريا، بل كمؤشر على مدى قدرة الفعل السياسي على مواكبة رهانات التنمية، وتعزيز شروط الانتقال نحو نموذج ديمقراطي أكثر نجاعة وفعالية.
مؤشرات على تشكل وعي جديد
وفي مقابل هذه التساؤلات النقدية، يمكن اعتماد قراءة مغايرة ذات نفس إيجابي، تنطلق من اعتبار أن البلاد مقبلة على محطة سياسية نوعية، تختلف في دلالاتها وسياقاتها عن سابقاتها. ذلك أن الولاية التشريعية المنصرمة أفرزت، في تقدير أولي، مؤشرات على تشكل وعي سياسي جديد، يتجلى في طبيعة الخطاب المتداول داخل الفضاء العمومي، سواء في النقاشات اليومية بين المواطنين أو عبر المنصات الرقمية، حيث لم يعد المواطن مجرد متلق سلبي، بل أصبح فاعلا يعبر عن مواقف نقدية ويطرح بدائل وتصورات.
وفي هذا الإطار، يبرز دور جيل Z باعتباره أحد أهم روافد هذا التحول، لما يحمله من أنماط تفكير مغايرة تقوم على رفض التموقع كـ”أداة” داخل النسق السياسي، والسعي نحو الانتقال من وضعية المتفرج إلى موقع الفاعل، عبر أشكال جديدة من الانخراط السياسي والمدني. كما أن الدينامية التي رافقت النقاش حول إصلاح المنظومة الانتخابية، من خلال تقديم مختلف الأطياف السياسية لمذكراتها، تعكس – في قراءة أولية – نوعا من التوافق الضمني حول أولوية تعزيز نزاهة وشفافية الاستحقاقات التشريعية المرتقبة لسنة 2026، والانخراط في إنجاحها بروح من المسؤولية الوطنية، وإن كان ذلك لا يخلو من ملاحظات نقدية تتعلق بحدود إشراك المواطن في بلورة هذه الإصلاحات.
ما تقوله المذكرات الإصلاحية
ومن خلال قراءة بعض هذه المذكرات، يلاحظ حضور مؤشرات إيجابية، خاصة حين يتم ربط الخطاب السياسي بالممارسة الفعلية. وفي هذا الصدد، يؤكد حزب التقدم والاشتراكية، باعتباره من مكونات المعارضة، على ضرورة القطع مع مظاهر الفساد الانتخابي، من خلال منع الترشح على الأشخاص المتورطين في قضايا فساد، وتشديد العقوبات على جرائم الإفساد الانتخابي، لاسيما شراء الأصوات، مع توسيع نطاق التجريم ليشمل استغلال المال العام ومواقع المسؤولية في التأثير على إرادة الناخبين. وهي مقاربة تعكس تصورا إصلاحيا يروم تحصين العملية الانتخابية قانونيا ومؤسساتيا، بما يضمن تنافسا سياسيا قائما على البرامج لا على النفوذ.
وبالموازاة مع ذلك، يبرز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كأحد الفاعلين الذين بادروا مبكرا إلى تقديم مذكراتهم، في مؤشر على انخراطهم في هذا الورش الإصلاحي. وقد ركز الحزب، ضمن تصوراته، على تعزيز المشاركة السياسية للنساء والشباب، من خلال مقترحات تروم الرفع من تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية وذلك برفع نسبة تمثيليهم الى الثلث (132 مقعدا) كمرحلة أولية في أفق تحقيق مبدأ المناصفة، إلى جانب ربط الدعم العمومي للأحزاب بمدى تمثيل هذه الفئات. كما شدد على ضرورة توسيع آليات محاربة الفساد الانتخابي وتعزيز أدوار هيئات المراقبة، مع إشراك المجتمع المدني ومؤسسات الحكامة في تتبع العملية الانتخابية، بما يعزز مصداقيتها وشفافيتها. وانطلاقا من موقعه كحزب يساري تقدمي، ينبه حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى أحد التحديات المستجدة التي باتت تواجه المسار الديمقراطي، والمتمثلة في توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة للتغول الرقمي داخل الحقل السياسي.
أما حزب العدالة والتنمية، فقد تبنى بدوره مقاربة إصلاحية تؤكد على أن ضمان انتخابات حرة ونزيهة وشفافة يشكل التزاما دستوريا ورهانا وطنيا، ليس فقط من أجل إفراز مؤسسات ذات شرعية، بل أيضا لمواجهة ظاهرة العزوف الانتخابي واستعادة الثقة في الفعل السياسي. وفي هذا السياق، دعا الحزب إلى إصلاح شامل للمنظومة الانتخابية، يستند إلى توفير كافة الضمانات القانونية والمؤسساتية والتقنية الكفيلة بالتعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية، مع التأكيد على ضرورة القطع النهائي مع ممارسات الإفساد الانتخابي لما لها من تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي ومسارات التنمية.
أما بخصوص أحزاب الأغلبية، الممثلة في التحالف الثلاثي، فإنه ورغم بعض القراءات النقدية التي طبعت تقييم أدائها خلال الولاية المنتهية، يمكن اعتماد مقاربة تحليلية تتسم بقدر من الإيجابية والحياد، عبر استحضار مضامين مذكراتها ومقترحاتها الإصلاحية، مع تعليق التقييم الشامل إلى حين استقراء نتائجها العملية على أرض الواقع.
في هذا الإطار، قدم حزب الأصالة والمعاصرة تصورا إصلاحيا يتجه نحو إعادة هيكلة الهندسة الانتخابية، من خلال اقتراح رفع عدد أعضاء مجلس النواب إلى 450 عضوا، مع تخصيص 150 مقعدا في إطار لائحة وطنية موجهة للكفاءات من الجنسين، مقابل الإبقاء على 300 دائرة انتخابية محلية. كما شدد الحزب على ضرورة تعزيز تمثيلية النساء، وتيسير إجراءات التصويت، إلى جانب الدعوة إلى الرفع من الدعم العمومي للأحزاب السياسية بما يمكنها من أداء أدوارها التأطيرية بشكل أكثر فعالية. وفي جانب آخر، أكد على أهمية تشديد آليات مراقبة نزاهة العملية الانتخابية، معتبرا أن إشراف وزارة الداخلية المغربية يظل خيارا مؤسساتيا منسجما مع خصوصية التجربة الوطنية والممارسات المقارنة.
من جهته، ركز حزب الاستقلال على أبعاد التمثيلية والتأطير المالي، حيث دعا إلى الرفع من عدد المقاعد المخصصة للنساء ضمن اللوائح الجهوية، مع إقرار نسبة إلزامية لتمثيلية الشباب داخل اللوائح المحلية، في خطوة تروم تحقيق توازن تمثيلي يعكس التحولات المجتمعية والديمغرافية. كما أولى الحزب أهمية خاصة لموضوع الحكامة المالية، من خلال التشديد على ضرورة التزام الأحزاب السياسية بتقديم وثائق تثبت صرف الدعم العمومي للمترشحين، تحت طائلة استرجاع المبالغ في حالة المخالفة واتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة، وهو ما يعكس توجها نحو تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل الحقل الحزبي.
الرهان: من النوايا إلى الأثر الملموس
وعموما، فإن هذه المقترحات، رغم اختلاف منطلقاتها، تعكس سعيا لدى مكونات الأغلبية نحو التفاعل مع مطلب إصلاح المنظومة الانتخابية، سواء من زاوية توسيع قاعدة التمثيلية، أو تحسين شروط التنافس، أو تعزيز آليات الحكامة. غير أن الرهان الحقيقي يظل رهينا بمدى ترجمة هذه التصورات إلى إجراءات عملية قادرة على إحداث أثر ملموس في تجويد العملية الانتخابية، وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.
ختاما، المغرب أمام لحظة سياسية مفصلية لا تختزل فقط في تنظيم الانتخابات التشريعية المغربية، بل تتجاوزها لتطرح رهانات أعمق تتعلق بإعادة بناء الثقة في الفعل السياسي وتعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة. فبين تعدد المبادرات الإصلاحية وتباين المقاربات الحزبية، يظل التحدي الحقيقي هو الانتقال من منطق إعلان النوايا إلى منطق الأثر الملموس، بما يضمن تكريس الديمقراطية كاختيار فعلي قائم على النزاهة وتكافؤ الفرص، لا مجرد إطار شكلي. كما أن بروز وعي سياسي جديد، خاصة في أوساط الشباب، يشكل فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والسياسة على أسس المشاركة والمسؤولية. وعليه، فإن نجاح هذه المحطة يظل رهينا بمدى قدرة مختلف الفاعلين على الالتزام بروح الإصلاح، وترجمة تعهداتهم إلى ممارسات تعزز الثقة وتدفع بعجلة التنمية، بما يجعل من هذه الاستحقاقات مدخلا حقيقيا لمرحلة سياسية أكثر نضجا وفعالية.
-طالب باحث في ماستر التدبير العمومي الترابي
The post ديناميات الانتخابات التشريعية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.