دَحْرِجوا الفرنسية إلى التعليم المتوسّط

حينما قرَّرت الدولة في سنة 2022 إدراج الإنجليزية في التعليم الابتدائي، ابتداءً من السنة الثالثة، كتبنا آنذاك في هذه الزاوية، مثمِّنين تلك الخطوة الجريئة التي طال انتظارُها؛ فهي اللغة الأولى في العالم بلا منازع، وستُمكِّن أطفالنا من مواكبة التطوُّرات العلمية والتكنولوجية المتسارعة في العالم، لكنّنا نبّهنا مرارا في تلك الفترة إلى أنّ الإبقاء على اللغة الفرنسية جنبًا إلى جنب مع الإنجليزية في التعليم الابتدائي سيُفرِغ هذه الخطوة من محتواها ويُفشلها.
قلنا آنذاك إنّ تدريس لغتين أجنبيتين معًا ابتداء من السنة الثالثة ابتدائي، أي حينما يكون الأطفال في الثامنة فقط من أعمارهم، سيشوِّش أذهانهم ويُربكهم، فهم سيتلقّون لغتين أجنبيتين لأول مرة، ودفعةً واحدة، ما سيُرهق عقولهم، ولن تتَّسع له قدراتُهم الاستيعابية المحدودة بحكم صِغر سنِّهم. وقد وصفنا آنذاك تدريس لغتين أجنبيتين معًا، إلى جانب اللغة العربية وربما الأمازيغية بـ”الازدحام اللغوي” الذي سيشوِّش أذهان الأطفال في سنٍّ مبكرة ولن تكون له أيُّ فائدةٍ عملية، وقلنا إنَّه ليس هناك –في حدود علمنا- بلدٌ في العالم يدرِّس أطفاله أربع لغات كاملة في التعليم الابتدائي، وطالبنا بدحْرَجة اللغة الفرنسية إلى السنة الأولى من التعليم المتوسط.
وتطلّب الأمرُ أربع سنوات كاملة من التجربة، حتى نسمع اليوم أصواتا تتحدّث عاليًا بأنّ التلاميذ لا يفرِّقون بين نطق الحروف الفرنسية والإنجليزية، كما يخلطون نطق الكلمات المتشابهة بين اللغتين، وسمعنا بعض من له صِلة بهذا الملفِّ الحسَّاس يتحدَّث عن “التخمة اللغوية” و”التداخل اللغوي” و”التشوُّش الذهني” و”التشتيت المعرفي” و”الإجهاد الذهني المفرط”… وهي عباراتٌ قريبة من تلك التي أطلقناها قبل أربع سنوات.
ويبدو أنّ جهاتٍ فرنكوفيلية قد عرقلت دحْرَجة اللغة الفرنسية إلى التعليم المتوسط، وسعت جاهدة إلى الإبقاء عليها في السنة الثالثة ابتدائي، ولو استطاعت لقدَّمتها إلى الثانية ابتدائي كما كان الأمرُ خلال بعض الفترات قبل التراجع عنه، أو اتَّخذتها لغة تدريس للمواد العلمية، كما خططت وزيرة التربية السابقة، بن غبريط، تحت غطاء برَّاق هو “إصلاح البكالوريا”… لكنّ نتائج تجربة تدريس التلاميذ لغتين أجنبيتين معًا، في وقتٍ واحد، وفي سنٍّ مبكرة، أفضت إلى الفشل بعد أربع سنوات، ليس لأنّ الإنجليزية مستعصيةٌ على أذهان هؤلاء الصغار، بل لأنَّ الإبقاء على الفرنسية شوَّش عليها، وعرقلها، ومن ثمّ بدأ التفكيرُ في تأخير تدريسها.
وإذا اتّخذت هذه الخطوة في الموسم الدراسي المقبل 2026- 2027 فسيكون ذلك قرارا جريئا يصحِّح الخلل، ويمكِّن أطفالنا من تلقِّي لغة أجنبية واحدة ابتداءً من السنة الثالثة ابتدائي، وحينها سنُهيّئ لهم الأجواء المناسِبة لإتقان هذه اللغة العالمية الأولى، ومن ثمّ وضع القطار على السِّكة الصحيحة، بعد ستة عقود كاملة من هيمنة الفرنسية على التعليم في الجزائر وعلى قطاعات أخرى عديدة…
لكن ينبغي أن نلفت الانتباه إلى أنَّ تأخير تدريس الفرنسية إلى التعليم المتوسّط هو القرارُ الصحيح الذي نأمل أن يُتَّخذ بكلّ جرأة بعيدا عن التردُّد واستمرار المجاملات؛ فالفرنسية تتراجع حتى في عقر دارها والفرنسيون أنفسهم اتّجهوا إلى تدريس بعض التخصُّصات باللغة الإنجليزية، لغة العلم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي… ولا يُعقل أن نتردَّد نحن في دحرجتها إلى مرحلة التعليم المتوسّط… نقول هذا لأننا سمعنا من يتحدَّث عن تأخير تدريس هذه اللغة إلى السنة الرابعة ابتدائي فقط أو السنة الخامسة، والسُّؤال: ما الذي سيتغيّر إذن، خاصَّة على أذهان أطفالنا الصغار، إذا أخَّرناها سنةً واحدة فقط أو سنتين؟! سيتواصل الارتباك والخلط والتشويش والإجهاد الذهني لدى هؤلاء الصغار أعواما أخرى بلا طائل.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post دَحْرِجوا الفرنسية إلى التعليم المتوسّط appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk