رؤية 2030 في عامها التاسع: ما تغيّر فعلاً، وما لم يتغيّر بعد
النهار – الرياض:
دخلت السعودية أخر مراحل رؤيتها الاقتصادية المعروفة بإسم رؤية 2030، والتي بدأت العام الماضي وهو العام التاسع لمشروع الرؤية.
وقال الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، إن المملكة بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة من رؤية السعودية 2030، والتي ستمتد لمدة خمس سنوات حتى عام 2030، محافظة فيها على التركيز على أهدافها طويلة المدى. مضيفاً أن الرؤية ستواصل التركيز على أهدافها طويلة المدى مع تكييف أساليب التنفيذ وفق متطلبات المرحلة.
وجاءت تصريحات ولي العهد بعد يومين من صدور تقرير رؤية 2030 لعام 2025 بعنوان ضمني مفاده: "لم نصل بعد، لكننا أقرب مما كنا". والمسافة بين العبارتين ليست بلاغة، بل أرقام. مقارنة التقريرين المتتاليين — 2024 و2025 — تُنتج صورة مركّبة: تحولات حقيقية في بنية الاقتصاد والمجتمع تتعايش مع ثوابت عنيدة تقاوم التغيير.
وسنستعرض ما تغير فعلاً في تقرير العام التاسع للوقوف على ما أصبحت فيه الإنجازات واضحة أو ما تم تجاوزه من المستهدفات أو الاقتراب منها وما لم يتغير ولا يزال يحتاج لمزيد من العمل.

ما تغيّر فعلاً
النمو عاد بقوة — وبسببَين لا سبب واحد
القفز من 1.3% إلى 4.5% في معدل النمو الكلي هو الرقم الأكثر لفتاً بين التقريرين، لكن قراءته تستوجب الدقة: جزء منه جاء من خفض "أوبك+" لقيود الإنتاج، وجزء من استمرار توسع القطاعات غير النفطية. الجزء الأهم هو أن الاقتصاد غير النفطي نما 4.9% ورفع حصته إلى 55% من الناتج الحقيقي ليُسجّل بذلك أعلى مستوياته على الإطلاق — مواصلاً مساراً بدأه في السنوات القليلة الماضية،. حين تصل اقتصاداً إلى نقطة يحكم فيها قطاع غير النفط على النمو بدلاً من النفط، يتغير منطق الدورة الاقتصادية كله.
الناتج المحلي يعبر تريليون الدولار
تجاوز الناتج عتبة 1.307 تريليون دولار في 2025 مقارنة بـ936 ملياراً في تقرير 2024. الفارق يعكس جزئياً تحديثاً في المنهجية، لكنه يعكس أيضاً نمواً حقيقياً. المملكة تحتل الآن مرتبة أعلى في قائمة أكبر اقتصادات العالم، وهو هدف رؤية 2030 الصريح بالانتقال من المرتبة العشرين إلى الخامسة عشرة.
مؤشر السعادة: قفزة غير مسبوقة
تقدمت المملكة من المرتبة 32 إلى 22 عالمياً في مؤشر الأمم المتحدة للسعادة. ليس رقماً تسويقياً — هو مجمّع يقيس الرعاية الصحية والمسكن والأمن وجودة الخدمات وحرية الفرد في اتخاذ خياراته وتدني مستوى الفساد. التحسن في عشر مراتب خلال عام واحد يعكس تراكماً في الاستثمارات الاجتماعية.
الصحة: أرقام تفوق التوقعات
متوسط العمر المتوقع ارتفع من 78.8 إلى 79.7 سنة، ومؤشر جودة الخدمات الصحية قفز من 59% إلى 70.4% بعد أن كان هدف 2025 لا يزيد على 60%. هذا ليس إنجازاً ورقياً — وراءه شبكة مستشفيات ومراكز رعاية أولية تغطي الآن 97.5% من التجمعات السكانية بما فيها النائية.
تصنيفات المملكة الائتمانية: ثبات الثقة
وكالات التصنيف الثلاث الكبرى أبقت تصنيفاتها دون تغيير بين التقريرين: موديز عند Aa3 بنظرة مستقرة، وفيتش عند A بنظرة مستقرة، وستاندرد آند بورز عند AA- بنظرة مستقرة. الاحتياطيات الأجنبية عند 453 مليار دولار — الأعلى منذ خمس سنوات — أسهمت في تعزيز هذه الثقة.
التوطين الدفاعي: مفاجأة الأرقام
ارتفع معدل توطين الصناعات الدفاعية من 19.35% (بيانات 2023) إلى 24.89% (بيانات 2024)، متجاوزاً الهدف السنوي 16.5% بفارق كبير. عدد المنشآت المرخصة قفز من 5 إلى 311 منشأة — تحول هيكلي في قطاع كان يُستورد فيه كل شيء حتى وقت قريب.
المنشآت الصغيرة والمتوسطة: الطموح يتحول إلى وظائف
عدد موظفي المنشآت الصغيرة والمتوسطة تجاوز 8.88 مليون في 2025 مقارنة بـ7.86 مليون في 2024، ومرشح لتخطي هدف 2027 قبل موعده. عدد هذه المنشآت ذاتها تضاعف أربع مرات منذ 2016 ليتجاوز 1.7 مليون منشأة — هذا هو الاقتصاد الحقيقي الذي يُشغّل الناس.

ما لم يتغيّر بعد
البطالة: إنجاز 2024 لم يتكرر في 2025
الحدث الأبرز في تقرير 2024 كان تحقيق هدف البطالة 7% بالضبط. لكن تقرير 2025 يكشف ارتفاعاً طفيفاً إلى 7.2%. الرواية الرسمية تُحيل ذلك إلى دخول أعداد أكبر من الشباب لسوق العمل — وهي رواية صحيحة جزئياً. لكنها تُخفي معادلة دقيقة: حين تنجح في جذب المرأة للعمل وتوسيع القوى العاملة، يرتفع المقام وليس البسط فقط. البطالة لا تزال أدنى بكثير من 12.3% في 2016، لكنها عادت فوق خط الهدف ولو بصورة طفيفة.
الاستثمار الأجنبي المباشر: تقدم في الأعداد، تأخر في النسبة
الصورة هنا مزدوجة ومُربِكة: التدفقات ارتفعت إلى 133 مليار ريال (نحو 35.5 مليار دولار) في 2025 مقارنة بـ28 ملياراً في 2017 — نحو خمسة أضعاف في سبع سنوات. لكن كنسبة من الناتج المحلي بلغت 2.8% فقط، دون هدف 3.4%، وبعيدة عن هدف 2030 البالغ 5.7%. الناتج ينمو أسرع من الاستثمار الأجنبي، فتنخفض النسبة حتى حين ترتفع الأرقام المطلقة. هذه الفجوة هي الأصعب في السد وخصوصاً مع التوترات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة.
مشاركة المرأة في سوق العمل: تباطؤ بعد طفرة
قفزت من 22.8% في 2016 إلى 33.5% في 2024 في تحول تاريخي. لكن 2025 سجّلت 35% فقط، أي أقل من الهدف السنوي 36.6%. المشكلة ليست في الإرادة ولا في التشريع، بل في أن الطفرة الأولى كانت تحريراً لطاقة مكبوتة. أما الآن فالمطلوب تحويل ثقافي في بيئات العمل وفي المهن التي تقبل المرأة العمل فيها — وهذا أبطأ بطبيعته.
المحتوى المحلي في الإنفاق غير النفطي: الاتجاه الخاطئ
هذا هو المؤشر الذي يجب أن يثير قلق المحللين: انخفض من 55.8% (2023) إلى 54.5% (2024)، في الاتجاه المعاكس للهدف 75% بحلول 2030. التشخيص الرسمي دقيق: المشاريع العملاقة تجلب مكوناتها من الخارج لأن الصناعة المحلية لا تستطيع إمداد كل ما تحتاجه. المعالجة الصحيحة ليست إبطاء المشاريع، بل تسريع بناء سلاسل الإمداد المحلية — ولكن هذا يستغرق وقتاً.
الأداء البيئي: المؤشر الذي لا يتحرك
المملكة في المرتبة 108 عالمياً في مؤشر الأداء البيئي لجامعة ييل — متأخرة بفارق كبير عن هدف المرتبة 20 في 2030. المشكلة مركّبة: التقرير يُقرّ بأن التحدي ليس في الأداء الفعلي فحسب، بل في ضعف إتاحة البيانات البيئية السعودية للمقيّمين الدوليين. لكن هذا التفسير لا يغيّر الترتيب.
التعليم: الأقل تقدماً نسبياً
نتائج "بيزا" لا تزال عند 387 نقطة — المقياس الذي وضعته الرؤية للتفاعل مع الإنجاز التعليمي العالمي — مقارنة بهدف 2030 البالغ 500 نقطة. وعدد الجامعات السعودية في قائمة أفضل 200 جامعة عالمياً لا يزال ثلاثاً من أصل هدف خمس.
الثابت الأكبر: النفط لا يزال يتحكم بالميزانية
رغم أن الاقتصاد غير النفطي بلغ 55% من الناتج الحقيقي، تبقى الحكومة معتمدة على النفط في نحو 55% من إيراداتها. الفجوة بين حصة النفط من الناتج وحصته من الميزانية تُذكّر بحقيقة بنيوية: الدولة تنوّع الاقتصاد، لكنها لم تُنوّع مصادر تمويل نفقاتها بالسرعة ذاتها. الإيرادات غير النفطية بلغت 134.6 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ134 ملياراً في 2024 — ثبات يكاد يكون صفرياً في عام نمت فيه الطموحات الإنفاقية.