رحيل الإيطالي فرانكو باريزي .. عالم كرة القدم يودع أحد آخر أساتذة "الليبرو"

برحيل فرانكو باريزي أمس الجمعة عن عمر ناهز 66 عاما، فقدتْ كرة القدم أحد أبرز المدافعين في تاريخها، ولاعبا أعاد تعريف دور المدافع في العصر الحديث؛ بعدما جعل من حسن التمركز وقراءة اللعب والقيادة الهادئة أدوات تتفوق على القوة البدنية والاندفاع، إذ لم يكن مجرد قائد لنادي ميلان الإيطالي أو أحد أبطال المنتخب الإيطالي، بل تحول إلى مرجع تكتيكي ألهم أجيالا كاملة من المدافعين، حتى وصفه الهولندي ماركو فان باستن بأنه “يوهان كرويف المدافعين”، في إشارة إلى التأثير الذي تركه في هذا المركز كما فعل كرويف في كرة القدم الهجومية.

ولد فرانكو باريزي في الثامن من ماي 1960 ببلدة ترافالياتو قرب مدينة بريشيا، وعاش طفولة قاسية بعدما فقد والديه في سن مبكرة، ليجد نفسه وشقيقه الأكبر جوزيبي يواجهان الحياة يتيمين. وقد تركت تلك التجربة أثرا عميقا في شخصيته، إذ أصبح أكثر هدوءا وانطواء، واعترف لاحقا بأن كرة القدم كانت وسيلته الوحيدة للتعبير عن مشاعره، قائلا: “ما مررت به جعلني أميل إلى الانطواء قليلا، وعندما كنت في الملعب كنت أقدم كل ما لدي، وربما كنت أعبر هناك عن كل الأشياء التي لم أستطع التعبير عنها بعيدا عن كرة القدم”.

وفي الوقت الذي اختار فيه شقيقه جوزيبي الدفاع عن ألوان إنتر ميلان، كان قدر فرانكو أن يرتبط بالغريم التقليدي ميلان، لتبدأ واحدة من أكثر قصص الوفاء ندرة في تاريخ اللعبة، علاقة استمرت عشرين عاما كلاعب، ثم تواصلت بعد الاعتزال من خلال العمل الإداري والتمثيلي داخل النادي.

التحق باريزي بالفريق الأول سنة 1977، بعدما منحه المدرب السويدي نيلس ليدهولم فرصة الظهور وهو في السابعة عشرة من عمره، وسرعان ما فرض نفسه لاعبا أساسيا بفضل قدرته الاستثنائية على قراءة مجريات اللعب ودقة تدخلاته وحسن تمركزه؛ وهي صفات عوض بها نقصا نسبيا في الطول والبنية الجسمانية مقارنة بكثير من المدافعين في تلك المرحلة، إذ كان يؤمن بأن أفضل تدخل هو الذي يمنع المهاجم من الوصول إلى الكرة أصلا، لا الذي ينتهي بافتكاكها بعد التحام عنيف.

ولم يكن باريزي مدافعا تقليديا، بل كان عقلا يدير الفريق من الخلف، يبدأ الهجمة كما ينهيها، ويوجه زملاءه باستمرار، ويقود مصيدة التسلل بإتقان جعلها واحدة من أبرز علامات ميلان في أواخر الثمانينيات. لذلك، اعتبره كثيرون آخر أساتذة مركز “الليبرو” الكلاسيكي، وأحد الذين نقلوا هذا المركز من مجرد لاعب تغطية إلى صانع لعب أول.

وفي الثانية والعشرين من عمره، حمل شارة قيادة ميلان، ليصبح أحد أصغر القادة في تاريخ النادي؛ غير أن بداياته لم تكن مفروشة بالنجاحات، إذ عاش مع الفريق واحدة من أصعب المراحل، بعدما هبط ميلان إلى دوري الدرجة الثانية مرتين؛ الأولى سنة 1980 بسبب فضيحة المراهنات الشهيرة “توتونيرو”، والثانية نتيجة سوء النتائج. وبينما كان كثير من النجوم يفضلون الرحيل، اختار باريزي البقاء، وأسهم في إعادة النادي إلى دوري الأضواء في المرتين، ليصبح رمزا للوفاء قبل أن يصبح أسطورة في الملعب.

وتغير تاريخ ميلان سنة 1986 مع وصول سيلفيو برلسكوني إلى رئاسة النادي، ثم تعيين أريغو ساكي مدربا للفريق، إذ قاد ساكي ثورة تكتيكية غيرت وجه كرة القدم الأوروبية. وكان باريزي حجر الزاوية فيها، فبنى مع باولو مالديني وماورو تاسوتي وأليساندرو كوستاكورتا أحد أعظم خطوط الدفاع في تاريخ اللعبة، دفاع لم يعتمد على التراجع، وإنما على الضغط الجماعي والتقدم إلى الأمام والالتزام الصارم بالتنظيم، وهي أفكار كانت تحتاج إلى قائد يملك ذكاء استثنائيا وقدرة كبيرة على قراءة أدق تفاصيل المباراة.

وخلف هذا الخط تألق الثلاثي الهولندي الشهير رود خوليت وفرانك رايكارد وماركو فان باستن، ليصبح ميلان الفريق الأقوى في أوروبا، ويحصد ثلاثة ألقاب في كأس الأندية الأوروبية البطلة أعوام 1989 و1990 و1994، إضافة إلى ستة ألقاب في الدوري الإيطالي؛ بينما أصبح باريزي مرجعا لكل مدرب يرغب في دراسة فن التنظيم الدفاعي.

ولم يكن تأثيره جماعيا فقط، إذ حقق حضورا فرديا استثنائيا، فحلّ ثانيا في جائزة الكرة الذهبية سنة 1989 خلف زميله فان باستن؛ وهو إنجاز نادر بالنسبة إلى مدافع، قبل أن يختاره ميلان لاحقا أفضل لاعب في تاريخ النادي، تقديرا لما قدمه طوال مسيرته.

وخاض باريزي 719 مباراة بقميص ميلان بين عامي 1977 و1997، وهو رقم ظل شاهدا على وفائه للنادي، وسجل خلالها 33 هدفا، قبل أن يعلن اعتزاله، ليقرر ميلان حجب القميص رقم 6؛ في خطوة لا ينالها إلا اللاعبون الذين يتركون أثرا يتجاوز حدود النتائج والألقاب.

أما مع المنتخب الإيطالي، فخاض 81 مباراة دولية، وكان ضمن التشكيلة التي أحرزت كأس العالم سنة 1982 في إسبانيا، على الرغم من أنه لم يشارك في أية مباراة بسبب صغر سنه؛ غير أن مشواره الدولي عرف أيضا كثيرا من لحظات الإحباط، إذ غاب عن مونديال 1986، ثم عاش مرارة الإقصاء من نصف نهائي كأس العالم 1990 أمام الأرجنتين بركلات الترجيح.

وجاءت أكثر لحظاته ألما في نهائي كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة، فعقب إصابته بتمزق في الغضروف الهلالي خلال البطولة، خضع لعملية جراحية، واعتقد الجميع أن البطولة انتهت بالنسبة إليه؛ لكنه عاد بصورة استثنائية إلى النهائي أمام البرازيل بعد أقل من شهر على الجراحة، وقدم أداء كبيرا، قبل أن يحتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح، فأهدر أولى الركلات الإيطالية، ثم أضاع دانييلي ماسارو وروبرتو باجيو ركلتين أخريين، لتذهب الكأس إلى البرازيل، وهي لحظة بقيت من أكثر المشاهد تأثيرا في تاريخ الكرة الإيطالية.

وعلى الرغم من تلك الخيبة، فإن باريزي ظل ينظر إلى مسيرته بهدوء واتزان، إذ قال في مقابلة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم بمناسبة بلوغه الستين: “أنهيت المشوار بطلا للعالم، ثم وصيفا، ثم في المركز الثالث، لا يمكنني الشكوى”؛ وهي عبارة تعكس شخصيته المتزنة، البعيدة عن المبالغة والانفعال.

ولم يقتصر إرث باريزي على ما قدمه داخل المستطيل الأخضر، فقد تحول إلى مرجع لأجيال كاملة من المدافعين، واعترف كثير من النجوم بأنهم استلهموا طريقته في اللعب؛ وفي مقدمتهم باولو مالديني، الذي ورث عنه قيادة دفاع ميلان، ثم فابيو كانافارو وأليساندرو نيستا وغيرهما من كبار المدافعين الإيطاليين الذين وجدوا في تجربته نموذجا يحتذى.

وبعد اعتزاله عام 1997، لم يغادر النادي الذي ارتبط به طوال حياته، إذ شغل منصب نائب الرئيس، ثم أشرف على فرق الفئات السنية، قبل أن يتولى بعض المهام التمثيلية ويصبح سفيرا لميلان في مختلف المناسبات، محافظا على حضوره داخل المؤسسة التي صنعت اسمه وصنع تاريخها.

وفي آخر مقابلاته مع صحيفة “غازيتا ديلو سبورت” سنة 2025، سئل عن الشعور الذي يختصر رحلته الطويلة مع ميلان، فاكتفى بالقول: “امتنان عميق”؛ وهي عبارة تلخص العلاقة التي جمعته بالنادي والجماهير وكرة القدم نفسها.

The post رحيل الإيطالي فرانكو باريزي .. عالم كرة القدم يودع أحد آخر أساتذة "الليبرو" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress