رحيل لطفي بوشنتوف .. صاحب "العالم والسلطان" ورائد الترجمة التاريخية
مؤرخ بارز كانَه الأكاديمي لطفي بوشنتوف، رحل عن دنيا الناس، بعد عطاء تعليمي وتأطيري وبحثي وترجمي، من بين أوجهه مرجعه الصادر بعنوان “العالم والسلطان.. دراسة في انتقال الحكم ومقومات المشروعية”، الذي درس فيه تأثير “العلماء” بين مرحلة حكم الوطاسيين المغرب ومرحلة حكم السعديين للبلاد، ودورهم في نشأة الدولة.
أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، الذي نعته شعبة التاريخ بجامعة محمد الخامس، عرف بدراسات وكتب وترجمات اهتمت بتاريخ المغرب من جوانب ومداخل متعددة منفتحة على تخصصات العلوم الإنسانية؛ من بينها التاريخ الثقافي والديني الحديث، والتخييل التاريخي، وتاريخ النخبة، والصراع المجتمعي، والتاريخ السياسي في العصر الوسيط، وتاريخ المغرب القديم، وتاريخ الفكر في تقاطع بتاريخ الحكم بالمغرب، وتاريخ المقاومة المسلحة المغربية.
ومن بين أحدث إسهامات المؤرخ الراحل تنسيق ومراجعة ترجمة ضخمة، لمؤلف “تاريخ العالم في القرن الخامس عشر” الصادر في أزيد من ألف صفحة. ودافع من خلاله عن أهمية الترجمة التاريخية في إغناء المكتبة المغربية والقارئة باللغة العربية بـ”التاريخ الشامل”، الذي “يسائلنا حول فهمنا لتاريخنا، للمسلمات التي نعتقدها الواقع والحقيقة، وما نعتقده استثناء وهو مشترك، ويعمق فهمنا لما حدث ويحدث في العالم، ويقدم قراءة جديدة لبعض القضايا الراهنة، ولا يساعد فقط في ملء فراغات فقط، بل في إعادة تفكر تاريخ المغرب، وبعض مسلماته”.
وفضلا عن الكتب التي ألفها، والكتب الجماعية التي نسقها، فإن الترجمة التاريخية كانت جزءا من عطاء المؤرخ الراحل الذي سبق وجمعته مشاريع ترجمية مع مؤرخين بارزين مثل إبراهيم بوطالب وعثمان المنصوري، كما في ترجمة “أخبار أحمد المنصور سلطان المغرب” لأنطونيو دي صالدانيا.
وفضلا عن التأطير الأكاديمي والترجمة والبحث، عرف أستاذ التاريخ الحديث لطفي بوشنتوف بالعمل التطوعي العلمي، مع مشروع “رباط الكتب”، وهو مجلة رقمية مغربية جاوز عمرها 19 سنة من الانشغال بالكتاب وقضاياه، وتجمع أكاديميين وباحثين مغاربة بارزين من تخصصات متعددة.
ومع دفاع الفقيد بوشنتوف عن الانفتاح العلمي على الإنتاجات التاريخية العالمية وترجمتها حتى لا يبقى البحث التاريخي بالمغرب منغلقا على إشكالات وأسئلة محدودة ومكرورة، ودفاعه عن أهمية “التاريخ العالمي الشامل” في رد الاعتبار لإسهامات حضارات مهملة، فإنه سبق أن انتقد في قراءة لدراسات ابن بطوطة مؤرخين مسكونين بالمركزية “الغربية” الذي كتبوا “تاريخ عالمهم الصغير، وهم يظنون أنهم يكتبون تاريخ العالم (…) ويتحدثون عن مناطق مجهولة، بينما الجاهل هو الغرب الذي لم يكن يعرفها، أما تلك المناطق فكانت تعيش حياة عادية”.
The post رحيل لطفي بوشنتوف .. صاحب "العالم والسلطان" ورائد الترجمة التاريخية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.