روما والخط الأصفر: من يفاوض ومن يُحرج المفاوض؟
المحامي رفيق اورى وليد غريزي
في السياسة، كما في الحرب، ليست المسألة أن تجلس إلى الطاولة، بل أن تعرف من رسم حدود الغرفة. كارل فون كلاوزفيتز، الضابط البروسي الذي خاض الحروب النابليونية ووضع في كتابه "عن الحرب" (Vom Kriege) أشهر تعريفٍ للحرب في العصر الحديث، قال إنّها استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى. المشهد اللبناني يقلب المعادلة: المفاوضات استمرارٌ للحرب بوسائل أخرى. خرائطُ تُرسم بالجرافة قبل أن تُرسم بالقلم، وانسحاباتٌ تُقاس بالأمتار لا بالكيلومترات، وسيادةٌ تُستعاد قريةً قريةً كمن يشتري أرضه بالتقسيط من محتلّها.
في روما انطلقت الجولة السابعة. وفدٌ لبناني بالسفيرين سيمون كرم وندى حمادة معوّض، وفدٌ إسرائيلي بيخيئيل لايتر ويوسي درازنين، وأميركيون من الخارجية والبنتاغون ومجلس الأمن القومي. جدول الأعمال معلن: توسيع "المناطق التجريبية"، تسوية النقاط الحدودية العالقة، صياغة ترتيبات أمنية شاملة. كل ذلك تحت سقف "اتفاق الإطار" الموقّع في السادس والعشرين من حزيران، والذي ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بنزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني.
لكنّ ما يجري في روما لا يُقرأ في روما. يُقرأ في زوطر الغربية، النموذج الأول والوحيد حتى الآن: مسحٌ للأرض، انتشارٌ للجيش، عودةٌ محسوبة للأهالي. تجربةٌ في أنبوب اختبار، يريد لبنان تعميمها على بنت جبيل والخيام وسواهما، وتريد إسرائيل إبقاءها عيّنةً مخبرية لا سابقةً ملزمة. الوفد اللبناني ذهب محمّلاً بأوراق تثبت أنه أوفى بالتزاماته. والجواب الإسرائيلي معروف سلفاً: القوات تبقى ما دامت الحاجة قائمة. وحين تصبح "الحاجة" هي المعيار، يصير الاحتلال مفتوحاً على تعريفٍ بلا نهاية.
وبموازاة كل خطوة على الورق، يتقدّم الخط الأصفر خطوةً على الأرض. خطٌّ أعلنته إسرائيل في نيسان على مثال غزة، بعمق يراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات، ابتلع أكثر من ستين قرية بين محتلّةٍ وخاضعةٍ للسيطرة بالنار، ثم وُسّع ليشمل برعشيت والمنصوري ومجدل زون، بإبلاغٍ عابر إلى "الميكانيزم" كمن يخبر جاره أنه نقل السياج قليلاً. وفي الأثناء: هدمٌ ممنهج للمنازل، وتفجيرٌ للبنى التحتية، وجسورٌ على الليطاني صارت ركاماً.

هذه هي المعادلة التي لا يقولها أحد بصراحة: التفاوض يجري على أرضٍ تتقلّص كلما طال التفاوض. والزمن، الذي يُفترض أن يكون حليف الديبلوماسية، صار مادةً بناءً في يد الاحتلال.
وفي اليوم نفسه، أطلّ نعيم قاسم من بعلبك ليقول إنّ المفاوضات المباشرة "لن تجلب إلا العار والذل"، وإنّ السلطة "كانت عوناً لإسرائيل بدل أن تكون عوناً للبنان"، وإنّ المطلوب وقف "التنازلات المجانية"، ثم، بلا انقطاعٍ في النفَس، دعوةٌ إلى الحوار والوحدة الداخلية.
هنا يتوقف التحليل ليبدأ السؤال البديهي: بأي رصيدٍ يُقال هذا الكلام؟
من قرّر الحرب منفرداً في تشرين 2023 لا يملك اليوم أن يوزّع شهادات الوطنية على من يجمع الركام. ومن ربط مصير بلدٍ كامل بجبهةٍ إسنادية لم تُغيّر شيئاً في غزة، وغيّرت كل شيء في الجنوب، ليس في موقعٍ يسمح له بالحديث عن "التنازلات المجانية"، التنازل الأكبر لم يُقدَّم في روما، بل قُدِّم يوم مُنحت إسرائيل الذريعة الكاملة، جاهزةً ومغلّفة، لتفعل بالجنوب ما كانت تحلم به منذ 1978. أن يقول رئيس الحكومة نواف سلام هذا الكلام بهذه الحدّة، ثم لا يجد جواباً سوى تكرار الخطاب ذاته، مؤشرٌ إلى أن الحزب لم يقرأ بعد محضر هزيمته.
الأدهى أنّ الحزب يريد الأمرين معاً: أن يرفض المسار التفاوضي علناً، وأن ينتظر منه استعادة أرضٍ خسرها هو. يشتم الطاولة ويأكل من صحنها. يصف المفاوض بالعار، ثم يطالبه بانسحابٍ لا يملك هو أدوات انتزاعه. ويطلب من الدولة أن تستعيد السيادة، فيما يمنعها من امتلاك مقوّمها الأول: حصرية السلاح والقرار. هذا ليس خلافاً في التكتيك، بل إحراجٌ منهجي لدولةٍ يُطلب منها أن تربح مباراةً وهي مقيّدة الساقين من حليفٍ في الداخل.
ولنكن دقيقين: أقوى حجّة في يد الوفد الإسرائيلي في روما ليست خرائطه، بل خطب الحزب. كل جملة عن "المقاومة ما دام الاحتلال موجوداً" تُترجم فوراً إلى بندٍ إسرائيلي إضافي في خانة الضمانات، وإلى تأجيلٍ جديد للانسحاب، وإلى شكٍّ أميركي مضاعف في قدرة بيروت على الالتزام. من يريد أن يُضعف المفاوض اللبناني لا يحتاج أكثر من بثٍّ مباشر من بعلبك.
يبقى المستوى الأذكى في الخطاب: الانفتاح على دمشق. لا مانع من لقاءٍ علني مع القيادة السورية، وسوريا المستقرة سندٌ للبنان. ومن دمشق جاء الجواب مواربَ الباب: أحمد الشرع لا يمانع الجلوس، مع اعترافٍ صريح بـ"مشكلة عميقة" يريد حلّها. الحزب الذي دخل سوريا عام 2013 بفائض القوة يطرق بابها اليوم من الخارج بمنطق إدارة العجز، ويبعث رسالةً إلى واشنطن عبر دمشق: لست ملفاً يُصفّى.
لكنّ المفارقة فاضحة: مرونةٌ مع من يعترف بمشكلةٍ عميقة معه، وتصلّبٌ مع حكومةٍ لبنانية تحاول انتشاله من نتائج حربه. براغماتيةٌ في الخارج، وعنادٌ في الداخل. وهذا وحده يكشف أن المسألة ليست مبدئية، بل مسألة موقعٍ وسلطة.
فماذا ينتظرنا؟ الأرجح ليس اختراقاً بل تراكماً بطيئاً: منطقة تجريبية إضافية أو اثنتان، جدولٌ زمني، لجان تقنية. أما العقدة فهي التحقق: من يتحقق؟ ووفق أي معيار؟ وما عقوبة الغش؟ إسرائيل لا تثق باليونيفيل، وتتردد في قبول قوة أوروبية، والبنتاغون لا يريد جنوداً على الأرض. وحين يبقى السؤال بلا جواب، يصبح الجواب التلقائي عند أول تعثّر: أن تنفّذ إسرائيل بنفسها ما عجزت الطاولة عن إنجازه.
يفاوض لبنان على جغرافيته وهو منقسمٌ على تاريخه، ويطالب بالانسحاب أولاً فيما يُطلب منه نزع السلاح أولاً. وبين "أولاً" و"أولاً" يمتدّ الخط الأصفر.
وهو ليس حدوداً. إنه ترتيبٌ مؤقّت. ولا شيء في هذه البلاد أطول عمراً من المؤقّت.