سؤال الشفافية والإنصاف في الولوج إلى أراضي الجماعات السلالية واراضي أملاك الدولة
أثار تدبير الأراضي السلالية من طرف الوزارة الوصية في المغرب نقاشًا واسعًا، بلغ حد الاحتجاجات في مناطق متعددة من البلاد، خاصة من طرف ذوي الحقوق داخل الجماعات السلالية. هؤلاء الذين عانوا لسنوات طويلة من إشكالات التمثيلية، حيث أصبح النواب السلاليون هم المخاطب الرئيسي للإدارة الترابية، مركزيا وجهويا وإقليميا، في ظل غياب آليات فعالة تضمن إشراكًا حقيقيًا وشفافًا لباقي ذوي الحقوق.
لقد سبق لوزارة الداخلية أن اتخذت إجراءات تأديبية في حق عدد من رجال السلطة بسبب اختلالات مرتبطة بتدبير هذا الملف، غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها، لم تُفضِ إلى معالجة جذرية لمعاناة ذوي الحقوق، خصوصًا في ظل استمرار عمليات تفويت طالت آلاف الهكتارات من الأراضي السلالية، في ظروف تثير الكثير من التساؤلات.
من الناحية القانونية، تخضع عملية تفويت الأراضي السلالية لمنظومة مركبة من النصوص، بعضها يعود إلى الحقبة الاستعمارية، فيما تم تحيين البعض الآخر بعد الاستقلال، إلى أن تم إصدار القوانين 62.17 و63.17 و64.17 سنة 2019، التي شكلت محاولة لإعادة تنظيم هذا المجال، من خلال تكريس مبادئ الحكامة وتوسيع دائرة الانتفاع، بما في ذلك تمكين النساء السلاليات من حقوقهن.
غير أن الإشكال الجوهري يظل قائمًا: هل يتم الولوج إلى العقار السلالي في إطار من الشفافية وتكافؤ الفرص؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي استحضار المقتضيات الدستورية، خاصة الفصل 35 من دستور 2011، الذي يضمن الحق في الملكية ويؤكد على ضرورة حماية الملك العمومي والخاص، والفصل 36 الذي يجرم استغلال النفوذ وتضارب المصالح والفساد، إضافة إلى الفصل 154 الذي ينص على مبادئ المرفق العمومي القائمة على الشفافية والمساواة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي مبادئ يبدو أن ممارسات عديدة على أرض الواقع لا تنسجم معها بالقدر الكافي.
في هذا السياق، عرفت سنة 2021 عمليات تفويت واسعة في بعض المناطق، من بينها منطقة الغرب، حيث تم نشر طلبات العروض ودفاتر التحملات عبر القنوات الرسمية. غير أن إعلان النتائج كشف عن استفادة أسماء وازنة، من منتخبين ومسؤولين وأشخاص ذوي نفوذ، بل وأحيانًا أفراد من نفس العائلات موزعين على مدن مختلفة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص.
لسنا ضد مبدأ تفويت الأراضي السلالية في حد ذاته، خاصة إذا كان ذلك يتم في إطار قانوني واضح، ويعود بالنفع على ذوي الحقوق من خلال عائدات الكراء أو الاستثمار المنتج. لكن الإشكال يكمن في حالات الولوج التي تقوم على منطق المحسوبية والزبونية واستغلال النفوذ، وهو ما يتعارض صراحة مع القواعد الدستورية والقانونية المؤطرة للحكامة الجيدة.
الأكثر إثارة للقلق هو لجوء بعض المستفيدين إلى التحايل عبر إنشاء شركات كواجهة قانونية، ثم الاختفاء لاحقًا، مما يفتح الباب أمام شبهات الوساطة والسمسرة غير المشروعة. والحال أن دفاتر التحملات، باعتبارها وثائق تعاقدية ملزمة، تفرض شروطًا دقيقة تتعلق بطبيعة الاستثمار ووجوب إنجازه فعليًا، وهو ما يستدعي تفعيل آليات المراقبة والتتبع، وفق ما تقتضيه قواعد المسؤولية والمحاسبة.
إن تشجيع مثل هذه الممارسات يساهم في بروز ما يمكن تسميته بـ“فراقشية العقار“، ويؤدي إلى تراكم الثروات بشكل غير مشروع، ويقوض الثقة في المؤسسات. كما أن استفادة بعض الأعيان والمنتخبين من تفويتات متعددة، أحيانًا داخل نفس الجهة أو في أكثر من إقليم، يكرس نوعًا من الريع العقاري الذي يتنافى مع مبادئ العدالة المجالية والاجتماعية.
إن الاستثمار الحقيقي في المجال الفلاحي أو العقاري يقتضي الولوج المشروع إلى العقار، القائم على الكفاءة والجدية، وليس على الانتماء السياسي أو النفوذ الانتخابي. فاستمرار هذه الاختلالات من شأنه أن يهدد التوازنات الاجتماعية، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العقار العمومي والسلالي في المغرب خلال السنوات المقبلة.
وعليه، فإن المسؤولية اليوم تقتضي من الجهات الوصية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، تعزيز آليات الرقابة القبلية والبعدية، وضمان احترام شروط دفاتر التحملات، وتفعيل المقتضيات الزجرية المنصوص عليها في القوانين ذات الصلة، بما ينسجم مع روح الدستور، ويعيد الثقة لذوي الحقوق في عدالة وشفافية تدبير هذا الملف.
إن تحويل تفويتات الأراضي إلى وسيلة للإثراء غير المشروع دون مقابل إنتاجي حقيقي، لا يمكن قبوله أخلاقيًا ولا قانونيًا. كما أن استغلال مواقع المسؤولية لتحقيق مكاسب شخصية يتعارض مع جوهر العمل العمومي، الذي يفترض فيه خدمة الصالح العام، لا تكريس الامتيازات.
إن إصلاح منظومة تدبير الأراضي السلالية، يبقى رهينًا بإرادة سياسية صادقة، تضع حدًا للممارسات الريعية، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها الشفافية والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن حقوق ذوي الحقوق، ويحافظ على هذا الرصيد العقاري كرافعة للتنمية لا كأداة للإثراء غير المشروع.