سانشيز أمام اختبار الصناديق

بيدرو سانشيز أمام اختبار الصناديق، هل تسعفه مؤشرات الاقتصاد أمام تهاوي الثقة؟

رغم الظروف الاقتصادية الصعبة على الصعيد الدولي (جائحة كورونا، الحرب الروسية الأوكرانية، الحرب الأمريكية الإيرانية…)، استطاعت الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز الوصول إلى مستويات قياسية على المستوى الماكرو اقتصادي.

فحسب البيانات المنشورة، أصبح الاقتصاد الإسباني الأكثر نموا في أوروبا، وصنفه البنك الدولي في المرتبة 12 في التقرير الصادر خلال شهر مارس 2026 (2041 بليون دولار PIB) على الصعيد العالمي، حيث حقق نموا اقتصاديا سنة 2025 بلغ 2,8%، متجاوزا معدل باقي دول الاتحاد الأوروبي، كما أن نسبة البطالة استقرت في حدود 9,5% (وهي الأدنى منذ سنة 2008)، وتراوحت نسبة التضخم بين 2,2% و3%، بينما تراوحت نسبة العجز بالنسبة للناتج الداخلي الخام بين 2,1% و2,5%.

فإذا كانت هذه الأرقام تعكس وضعاً ماكرو اقتصادياً جيدا لإسبانيا، يحق لنا أن نتساءل لماذا لم تحول حكومة بيدرو سانشيز هذا المنجز الاقتصادي إلى دعم انتخابي، و تكسب الرهانات قبل غشت 2027؟

الانتخابات الجهوية: مؤشر للمستقبل أم استثناء؟

خلال الستة أشهر الماضية، نظمت في إسبانيا أربعة انتخابات جهوية، فهل تعد مقياسا لما سيحدث في المستقبل، أم أن محددات التصويت مختلفة؟

قبل جهة الأندلس، كانت هناك استحقاقات انتخابية في أراغون، إكستريمادورا، وكاستيا لا مانتشا. وهي جهات يخف فيها الوزن الهوياتي الجهوي لصالح إسبانيا الموحدة وقد حسمت كلها لصالح الحزب الشعبي (يمين)، لكن حزب فوكس (يمين متطرف) استطاع أن يكسر أغلبيته المطلقة في الجهات الأربع، ويفرض عليه تحالفات صعبة ومحرجة.

في المقابل، حصل الاشتراكيون على أسوأ النتائج في تاريخهم بجهة الأندلس (معقلهم التاريخي)، رغم تقديمهم نائبة رئيس الحكومة كمرشحة لرئاسة الجهة.

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو ما هي محددات اتجاهات التصويت في إسبانيا؟ كيف يختار الإسبان من يصوتون له؟ هل الوضعية الاقتصادية حاسمة، أم هناك معايير أخرى؟

وهذا ما يدعنا إلى طرح فرضية أن المؤشرات الماكرو اقتصادية الإيجابية لا تنعكس بأثر مباشر على الاقتصاد المعيشي للسكان، في ظل تحول سيوسيولوجي لعقلية الناخب الاسباني.

طفرة ماكرو اقتصادية لا تنعكس على المعيش اليومي.

رغم الطفرة الماكرو اقتصادية والتموقع الجيد داخل الفضاء الأوروبي، إلا أن هذا لا ينعكس على حياة الإسبان اليومية. فمع ارتفاع كلفة المعيشة وضغط الإيجارات (الحد الأدنى للأجور يصل إلى 1424 يورو)، فإن الاقتصاد الملموس لا يعكس أرقام النمو. وبالتالي، لا يقيم الناخب الحكومة بناء على نسبة النمو، بل على انعكاسها المباشر على حياته اليومية.

تحول سوسيولوجي في سلوك الناخب الإسباني.

هل ما زال الناخب الإسباني يصوت بدوافع طبقية تقليدية (يمين/يسار، طبقة عاملة/برجوازية)؟ أم أصبحت هناك عوامل أخرى أكثر تأثيراً؟

من المؤكد أن تحولات كبيرة حصلت في المجتمع الإسباني، الذي لم يعد يصوت طبقياً في غالبيته كما في الماضي، بل أصبحت له محددات أخرى داخل صناديق الاقتراع على رأسها الارتباط الهوياتي. إذ تتنوع الهويات في إسبانيا، وطبيعة النظام الدستوري تجعل التنافس بين الجهات والمناطق واقعا مؤثرا. فالتنازلات والتفويضات التي قدمتها الحكومة المركزية لكاتالونيا وبلاد الباسك مقابل الدعم البرلماني، لا ينظر إليها بإيجابية من باقي الجهات القشتالية (كالأندلس مثلاً). وهذا يدفع الناخبين نحو خيارات قريبة من هويتهم الجهوية، ويجدون صدى لقراراتهم لدى أحزاب اليمين التي ترفع شعار إسبانيا واحدة وموحدة، وهو ما يجعل مسألة الهوية محددا أساسيا لاتجاهات التصويت ومولدا للخيار الاحتجاجي.

تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، المؤثرون والمحرضون.

يتهم الحزب الاشتراكي خصومه باليمين واليمين المتطرف بشن حملات مستمرة وغير أخلاقية، مستخدمين المؤثرين والمحرضين لخلق الأزمات وتضخيمها، واستغلال الفضاء الرقمي لتجييش الرأي العام. كما يتهمهم باستخدام القضاء لأغراض سياسية (زوجة رئيس الحكومة، وزير التجهيز، رئيس الحكومة السابق ساباتيرو…). وكل هذه الملفات لها تأثير كبير على الناخبين.

حالة غير مسبوقة من التجاذب السياسي.

تعيش إسبانيا حالة تجاذب شديدة بين اليمين واليسار، وبين المناطق التاريخية (كاتالونيا، بلاد الباسك، غاليسيا) وباقي الجهات القشتالية. فالمصادقة على قوانين مثل الذاكرة التاريخية، وقرارات حكومية مثل ترحيل جثمان الجنرال فرانكو، تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين، والسياسات المتقدمة في قضايا المرأة والنوع الاجتماعي وتقليص دور الكنيسة… كلها وقائع تزيد من التجاذبات وتدفع بعض الإسبان المترددين نحو اليمين أو اليمين المتطرف.

سيناريو 2027: من سيقود الحكومة المركزية المقبلة؟

رغم توالي انتصارات الحزب الشعبي في الانتخابات الجهوية، تبقى حظوظ بيدرو سانشيز قوية ومحترمة. فبعد أكثر من 8 سنوات في الرئاسة، أصبح يمتلك ما يكفي من الحجج والإنجازات لقلب موازين القوى، خاصة أن الرهانات الوطنية تختلف عن المحلية والجهوية.

يلقب سانشيز بطائر الفينق، لقدرته على تجديد نفسه والعودة بعد كل تراجع. كما أن موقفه الداعم لقضايا الشعوب (مثل القضية الفلسطينية)، وإدارته المتميزة للسياسة الخارجية (ملف الصحراء، فلسطين، الشراكة مع الصين، تموقع إسبانيا داخل أوروبا)، تجعله مرشحا قويا للاستمرار في رئاسة الحكومة الإسبانية.

The post سانشيز أمام اختبار الصناديق appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress