سباق القصيدة والصورة: بين التعليق العربي والتعليق الغربي في مونديال 2026

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في كرة القدم، لا يصل الهدف إلى الجمهور وحيداً. تصحبه صرخة، أو جملة، أو لحظة صمت تمنحه معناه الأخير. وقد يتذكر المشاهد العبارة التي قيلت لحظة تسجيله بقدر ما يتذكر حركة اللاعب نفسه. من هنا، لا يعمل المعلّق الرياضي ناقلاً محايداً للصورة فحسب، بل شريكاً في إنتاجها: يمنح الحدث إيقاعه، ويربطه بالماضي، ويحدد درجة الانفعال التي ينبغي أن يشعر بها الجمهور.

في مونديال 2026، أكبر نسخ كأس العالم بمشاركة 48 منتخباً وخوض 104 مباريات في 16 مدينة، بدا التنافس بين مدارس التعليق موازياً، بطريقة غير مباشرة، للتنافس بين المنتخبات. حشدت "بي إن سبورتس" أكثر من 80 إعلامياً ومحللاً لتغطية البطولة عربياً، فيما وزعت "فوكس" الأميركية مبارياتها على تسعة ثنائيات تعليق، يتكوّن كل منها غالباً من راوٍ للمباراة ولاعب سابق يتولى التحليل. يعكس هذا الاختلاف التنظيمي فارقاً أعمق في فلسفة التعليق نفسها.

 

المعلق السوري أيمن جادة

 

المعلّق العربي: مؤلف الرواية الثانية

ينطلق التعليق العربي من افتراض ضمني أن المباراة ليست مكتملة بالصورة وحدها. فالكاميرا تعرض ما يحدث، لكن المعلّق مطالب بأن يشرح لماذا هو مهم، وما الذي يشبهه في التاريخ، وما الذي يعنيه للجماهير والبلاد واللاعب.

لذلك، لا يقول المعلق العربي عادة إن اللاعب سجل هدفاً وحسب؛ بل يعلن أن التاريخ فتح أبوابه، وأن المجد وجد صاحبه، وأن اللاعب ردّ على المشككين وكتب اسمه في سجل الخالدين. وخلال مونديال 2026، خاطب المعلق العُماني عامر الخضيري التاريخ بعد تسجيل كريستيانو رونالدو قائلاً: "يا تاريخ، ضع رونالدو هنا"، بينما قال اليمني حسن العيدروس بعد هدف تاريخي لليونيل ميسي: "أنا لا أناديك ليو، أنا أناديك التاريخ نفسه". 

هذه الجمل لا تضيف معلومة فنية إلى الهدف، لكنها تضيف إليه معنى. إنها تنقل اللاعب من الملعب إلى الأسطورة، ومن الحاضر إلى الذاكرة. بذلك يمارس المعلّق وظيفة قريبة من الراوي الشعبي أو الشاعر المرتجل: يلتقط حدثاً عابراً ويمنحه صيغة قابلة للحفظ والتداول.

وساعدت خصائص العربية على نشوء هذا النمط. فهي لغة غنية بالتشبيه والاستعارة والنداء والتكرار والجناس، وتتيح للمعلق الانتقال بسرعة بين الفصحى والتعبير الشعبي والمثل والشعر والدعاء. وتشير الدراسات الأسلوبية إلى كثافة استخدام الاستعارة والتكرار والحذف والتوازي في التعليق العربي، كما تظهر الدراسات المقارنة أن المبالغة موجودة في اللغتين العربية والإنكليزية، لكنها أكثر حضوراً لدى المعلقين العرب، خصوصاً في مرحلة التعليق الوصفي والانفعالي التي تلي الحدث. 

 

المعلق التونسي عصام الشوالي. (أكس)

 

مدارس عربية متداخلة

لا توجد أكاديميات تعلن تأسيس "مدرسة الشوالي" أو "مدرسة فارس عوض"، لكن يمكن، من زاوية تحليل الخطاب، تمييز أنماط متداخلة لا تخضع لحدود جغرافية صارمة.

المدرسة البيانية الملحمية
يمثل عصام الشوالي أحد أبرز وجوهها. لا يكتفي بتسمية اللاعبين أو وصف التمريرات، بل يبني خلف المباراة مسرحاً تاريخياً كاملاً: يستحضر نهائيات سابقة، وسيراً شخصية، وتواريخ مدن وأندية، ثم يحوّل اقتراب اللاعب من المرمى إلى تصاعد درامي يصل ذروته مع الهدف.

ينتمي حفيظ دراجي جزئياً إلى المدرسة نفسها، لكن خطابه أكثر مباشرة وأقرب إلى لغة المدرجات. عبارته الشهيرة "حطّها في الغول يا رياض"، وكذلك صرخته "لا يا حليش"، بقيتا في الذاكرة لأنهما لم تكونا جملتين مصقولتين، بل ردّ فعل عفوياً يشبه كلام المشجع أمام الشاشة. هنا تنشأ قوة دراجي من كسر المسافة بين الميكروفون والجمهور: لا يبدو مراقباً للمباراة، بل واحداً من الذين يعيشونها.

أما رؤوف خليف، فأسس قاموساً خاصاً به، من قبيل "نار يا حبيبي نار" و"بالمليمتر يا حبيبي بالمليمتر". وتتسم لغته بكثرة اللازمة الصوتية والتكرار المقفّى، ما يجعل العبارة علامة شخصية يمكن التعرف إلى صاحبها حتى من دون رؤية اسمه. 

ميزة هذه المدرسة أنها تجعل المباراة قابلة للتذكر. أما عيبها، فيظهر عندما تصبح البلاغة غاية مستقلة، فيبدأ المعلق بالبحث عن جملته الكبرى بدلاً من انتظار اللحظة التي تستحقها. وحين توصف كل مباراة بأنها تاريخية، وكل هدف بأنه خارق، تفقد الكلمات قدرتها على التمييز بين العادي والاستثنائي.

المدرسة الإيقاعية الخليجية
تقوم هذه المدرسة على السرعة، ونظافة مخارج الحروف، وتصعيد طبقة الصوت بالتوازي مع تطور الهجمة. ويبرز فيها خليل البلوشي، الذي يجمع بين سرعة نقل الكرة وبين مقدمات إنشائية وشعرية، وفارس عوض الذي يبقى أقرب إلى الحدث الرياضي نفسه، مع جمل قصيرة وقوية وقوافٍ محسوبة.

لا يعتمد فارس عوض، في أفضل حالاته، على الاستطراد التاريخي الطويل بقدر اعتماده على التقاط صورة الحركة: قدم ترسم، ولاعب يطير، ودفاع يتهاوى. لغته أكثر تكثيفاً من لغة المدرسة المغاربية، لكنها ليست أقل حماسة.

أما يوسف سيف، فيمثل الجذر الأقدم لهذه المدرسة: صوت وقور، ومفردات ذات نبرة تراثية، وإيقاع أبطأ يذكّر بزمن كان فيه المعلق هو المصدر الأساسي للمعلومة، قبل أن تملأ الإحصاءات والرسوم والتحليلات شاشة المشاهد.

مشكلة المدرسة الإيقاعية أن السرعة قد تتحول إلى صراخ متواصل. وإذا ارتفعت النبرة منذ الدقيقة الأولى، فلن يبقى للمعلق مجال صوتي يصعد إليه عند تسجيل الهدف. وقد لخّص خليل البلوشي جانباً من ضغط الجمهور على المعلقين حين ناقش علناً فكرة أن "الجمهور يريد" الصراخ والحماسة. 

 

المعلق الإماراتي فارس عوض

 

المدرسة التحليلية الهادئة
يمثل السوري أيمن جادة نموذجاً بارزاً للمعلق الذي تشكّل في بيئة الصحافة الرياضية والتحليل، لا في ثقافة العبارة الرنانة وحدها. في هذا النموذج، تأتي المعلومة قبل الزخرفة: لماذا غيّر المدرب الخطة المرسومة؟ أين ظهرت المساحة؟ ما الذي يفعله لاعب الارتكاز خارج مجال الكرة؟

هذه المدرسة أقل انتشاراً جماهيرياً لأن مقاطعها لا تتحول بسهولة إلى مواد رائجة على وسائل التواصل. الصرخة تنتشر أسرع من تفسير التحول من 4-3-3 إلى 3-2-5. لكنها أكثر قدرة على زيادة فهم الجمهور للمباراة، لا مجرد رفع انفعاله بها.

والأفضل عربياً لا يكون في اختيار مدرسة وإلغاء الأخريات، بل في الجمع بينها: معرفة الشوالي، وعفوية دراجي، وإيقاع البلوشي، وتكثيف فارس عوض، ورصانة أيمن جادة.

 

هل يوجد تعليق غربي واحد؟

الحديث عن "التعليق الغربي" باعتباره كتلة متجانسة مضلل. فما يسمعه المشاهد البريطاني يختلف جذرياً عما يسمعه مشاهد في الأرجنتين أو المكسيك أو الولايات المتحدة.

المدرسة البريطانية: دع الصورة تتنفس
تقوم المدرسة البريطانية التلفزيونية على الاقتصاد اللغوي. فالمشاهد يرى الكرة، ولذلك لا حاجة إلى تسمية كل تمريرة. يتدخل المعلق عندما تكون هناك معلومة لا تعرضها الصورة، أو عندما يحتاج الحدث إلى سياق.

ويتوزع العمل تقليدياً بين المعلق الأساسي، الذي يتابع الوقائع ويضبط السرد، ولاعب سابق يفسر الجانب الفني. ويصف كليف تايلدسلي في "غارديان" البريطانية العلاقة بأنها شراكة بين مذيع مدرّب يعرف اللاعبين وإيقاع الحدث، وبين شخص "عبر الخط الأبيض" ويستطيع تقديم رأي مهني نابع من تجربة اللعب. كما يعدّ الصمت جزءاً من التعليق الجيد؛ فاللحظات الصامتة ليست فراغاً، بل اعترافاً بأن هدير الجمهور أو صورة الاحتفال قد تكون أبلغ من الكلام. 

حتى بيتر دروري، أبرز الاستثناءات الشعرية في المدرسة الإنكليزية، يصرّ على أن الجمهور يشاهد كرة القدم لا المعلق، وأن العبارة الكبرى لا يمكن تصنيعها مسبقاً، بل تولد عندما تمنح المباراة صاحب الميكروفون لحظة تستحق الكلام. 

تمنح هذه المدرسة المشاهد وضوحاً وراحة، وتحمي المباراة من طغيان صوت المعلق. لكنها قد تبدو باردة، خصوصاً لجمهور اعتاد أن تكون المباراة تجربة سمعية بقدر ما هي بصرية. وقد تتحول الرصانة إلى رتابة، فيشعر المشاهد بأن الهدف قُدّم كما تُقرأ نشرة الأحوال الجوية.

مع ذلك، أنتجت المدرسة البريطانية عبارات خالدة شديدة البساطة. ففي نهائي 1966، قال كينيث وولستنهولم: "يظنون أن كل شيء انتهى… الآن انتهى"، فتحولت الجملة إلى جزء من الثقافة الشعبية البريطانية. لم تكن قصيدة طويلة، بل جملة وُلدت من تطابق نادر بين التوقيت والصورة. 

المدرسة اللاتينية: الهدف احتفال جماعي
إذا كانت المدرسة البريطانية تحمي الصورة من الكلام، فإن المدرسة الإسبانية–اللاتينية تعامل الصوت باعتباره جزءاً من المباراة نفسها. وهي الأقرب غربياً إلى المزاج العربي.

تعود جذورها إلى الإذاعة، حين كان على المعلق أن يرسم الملعب كاملاً لمن لا يراه. ومن هذه البيئة جاءت إطالة كلمة "غوووووووول"، التي جعلها الأرجنتيني أندريس كانتور علامة عالمية. ليس المقصود بها إبلاغ المشاهد بأن الكرة دخلت الشباك فقط، بل منحه وقتاً ليصرخ ويقفز ويشارك الجماعة احتفالها. 

وقد كانت تجربة "تيليموندو" من أهم ظواهر مونديال 2026 الإعلامية. فمع أن الناقل يخاطب أساساً الجمهور الناطق بالإسبانية في الولايات المتحدة، استحوذت تغطيته على 49% من مجموع المشاهدين لدى الشبكتين الأميركية الإنكليزية والإسبانية خلال أول 48 مباراة، بحسب "غارديان". وبلغ جمهور مباراة المكسيك وإنكلترا على "تيليموندو" 23.2 مليون مشاهد، متقدماً على البث الإنكليزي. وقال بعض المشاهدين إنهم لا يفهمون الكلمات، لكنهم يعرفون من سرعة الصوت وإيقاعه أن خطراً يقترب.

هذه واقعة مهمة في تحليل الخطاب: المعنى الرياضي لا ينتقل بالكلمات وحدها. النبرة والسرعة وطول النفس والسكوت المفاجئ تشكل لغة موازية يمكن فهمها عبر الثقافات.

المدرسة الأميركية: تحويل المباراة إلى منتج تلفزيوني
تحاول المدرسة الأميركية إدخال كرة القدم في تقاليد بث الرياضات الأميركية: معلق للحركة، ولاعب سابق للتحليل، وخبير مستقل للتحكيم، ومراسلون على أرض الملعب، واستوديوهات ضخمة وقصص إنسانية وإحصاءات متلاحقة.

في مونديال 2026، أرسلت "فوكس سبورتس" فرق التعليق إلى الملاعب لتغطية المباريات الـ104، وضمت تشكيلتها محللي تحكيم ولاعبين دوليين سابقين، في محاولة لتوفير شرح يناسب الجمهور الخبير والجمهور الجديد في آن واحد. 

ميزة هذا النموذج هي التخصص: لا يُطلب من شخص واحد أن يصف ويحلل ويفسر القرار التحكيمي ويقدم الإحصاءات. لكن كثرة الأصوات قد تجعل التعليق حواراً مغلقاً بين العاملين في البث، بدلاً من حديث موجه إلى الجمهور. كما أن السعي إلى صناعة الإثارة قد ينتج حماسة مصطنعة، لا تنبع من إيقاع المباراة.

وتعرضت بعض تغطية "فوكس" في مونديال 2026 لانتقادات بسبب أخطاء في نطق الأسماء، والمبالغة في رفع الصوت، وإقحام منظور أميركي ضيق في بطولة عالمية. وفي المقابل، حظي محللون مثل ستو هولدن بإشادة لقدرتهم على تفسير التحولات التكتيكية خلال اللعب. 

 

لاعبو باراغواي يحتفلون بفوزهم بركلات الترجيح على ألمانيا في دور الـ16 من كأس العالم 2026. (أ ف ب)

 

الحياد: فضيلة أم نقص في الانتماء؟

أكثر الفروق حساسية بين المدرستين يتعلق بموقف المعلق من المنتخب الذي ينتمي إليه.

في الثقافة البريطانية المهنية، يُفترض بالمعلق أن يصف الحدث من موقع الصحافي، حتى عندما يلعب منتخب بلاده. وقد قال بيتر دروري في "ذا تايمز"، وهو الذي يعلّق على البث الدولي للفيفا، إنه لا يستخدم تعبير "نحن" عند الحديث عن إنكلترا، لأن مهمة المعلق هي التعبير عما حدث لا التحول إلى مشجع. كما تفرض طبيعة البث الدولي عليه مخاطبة جماهير ذات ثقافات ومرجعيات مختلفة، من دون افتراض أنها تنظر إلى المباراة من الزاوية نفسها. في المقابل، يتسامح الجمهور العربي واللاتيني أكثر مع الانحياز المعلن، خصوصاً عندما يلعب منتخب عربي أو وطني. بل قد يعاقب المعلق إذا بدا محايداً أكثر مما ينبغي. فالجمهور لا يطلب منه في تلك اللحظة أن يكون حكماً، بل أن يكون صوته الجماعي. فللانحياز هنا وظيفة وجدانية مشروعة، لكنه يصبح خطراً عندما يؤدي إلى تجاهل خطأ واضح، أو اتهام الحكم بلا دليل، أو التقليل من المنافس. فثمة فرق بين التعاطف وبين تحريف ما تراه العين.

 

محاسن المدرستين  ومساوئهما

يمنح التعليق العربي المباراة حرارة وهوية وذاكرة. يستطيع أن يحوّل مواجهة عادية إلى قصة، وأن يصل كرة القدم بالشعر والتاريخ والوجدان الوطني. كما يحفظ للفصحى حضوراً جماهيرياً قلما تحظى به في مجالات أخرى.

لكنه يعاني أحياناً من التضخم اللغوي، والاستطراد في لحظات تحتاج إلى التركيز، وتكرار المعلومات، وإغراق كل حدث في التاريخ والأسطورة. وقد يصبح المعلق منافساً للصورة، لا خادماً لها.

أما التعليق البريطاني والتحليلي الغربي، فيمتاز بالدقة، واحترام الصمت، وتقسيم الاختصاص، وإعطاء التكتيك مساحة واضحة. لكنه قد يفشل في نقل الحرارة الجماهيرية، وقد يبدو كأنه يشرح المباراة من خارجها لا يعيشها من داخلها.

وتثبت المدرسة اللاتينية أن الاختيار ليس محصوراً بين العلم والانفعال؛ إذ يمكن للمعلق أن يكون عارفاً ومتحمساً في الوقت نفسه. أما التجربة الأميركية فتوضح أن كثرة التكنولوجيا والخبراء لا تضمن وحدها خطاباً مقنعاً، إذا غابت الأصالة أو بدا الحماس مصنّعاً.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية