سوق العقار السعودي يُسجّل صفقات بـ30 مليار دولار في الربع الأول رغم تراجع توقعات النمو
سجّلت سوق العقارات السعودية إجمالي صفقات بلغ 112 مليار ريال (29.9 مليار دولار) في الربع الأول من 2026، بارتفاع 6.8% مقارنةً بالمدة نفسها من العام الماضي، وفق تقرير شركة "سي بي آر إي" للاستشارات العقارية (CBRE) الصادر في أيار/مايو 2026، نقلاً عن الهيئة العامة للإحصاء. وجاء هذا الأداء في ظل نموٍ فعلي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ 2.8% على أساس سنوي في الربع الأول. غير أن التوقعات السنوية لعام 2026 ككل تراجعت بحدة من 4.3% عند نهاية 2025 إلى 1.9% حالياً، مدفوعةً بانكماش متوقع في قطاع النفط بنسبة 2.3% ونمو غير نفطي متحفظ عند 3.4%، مما يجعل القطاع العقاري يُظهر مساراً مستقلاً نسبياً عن هذا التباطؤ.
المكاتب: شُح الدرجة الأولى يحمي السوق
تقف سوق المكاتب في الرياض على أرضية صلبة، مع معدل إشغال لمكاتب الدرجة A يبلغ 97.7% وارتفاع في متوسط الإيجارات 3.5% على أساس سنوي حتى نهاية الربع الأول، وفق التقرير. ويظل برنامج المقر الإقليمي (RHQ) المحرك الأساسي لهذا الطلب؛ إذ تؤكد بيانات وزارة الاستثمار أن أكثر من 780 شركة دولية باتت تحتفظ بحضور فعلي في العاصمة لا مجرد ترخيص ورقي، مع تصاعد ملحوظ في تسجيلات الإقامة للقيادات التنفيذية في مراكز حي الملك عبدالله المالي.
في المقابل، تكشف البيانات عن تحوّلٍ في سلوك المستأجرين؛ إذ تمددت دورات التأجير مع ميل الشركات نحو تمديد العقود القائمة بدلاً من التوسع، وتنامى الطلب على المساحات المُدارة التي تحدّ من النفقات الرأسمالية، استناداً إلى البيانات الواردة في التقرير. وعلى صعيد الطلب القطاعي، تقود شركات التقنية السوق بحصة 53% من إجمالي متطلبات المكاتب في الربع، تليها الخدمات الاستشارية والمالية والقانونية بحصة مجمعة 33%.
وعلى صعيد العرض، تستعدّ الرياض لاستقبال نحو 0.56 مليون متر مربع إضافية خلال 2026، تشمل مشاريع مدينة محمد بن سلمان غير الربحية (مدينة مسك) ومكاتب ويستفيلد الرياض والمراحل الأولى من مكاتب درعية سكوير ومبنى The 25 Osus، قبل أن يرتفع الرقم إلى 0.90 مليون متر مربع في 2027-2028، يتولى المطورون الخاصون 84% منها.
خارج الرياض، تحافظ سوق جدة على تنافسيتها بمعدل إشغال 94% وإيجارات ثابتة عند 1,490 ريالاً (397 دولاراً) للمتر المربع سنوياً. أما الدمام فتشهد انقساماً حاداً بين مبانٍ من الدرجة الأولى تصمد عند 91% إشغالاً، وأصولٍ من الدرجة B تتراجع تحت ضغط هجرة المستأجرين نحو المباني الأحدث والأكثر تقنية.
السكن: الإيجار ينتعش والمبيعات تتعثر
تُسجّل الصفقات السكنية انعطافةً واضحة؛ إذ بلغت قيمتها الإجمالية 82 مليار ريال (21.9 مليار دولار) في الربع الأول، بانخفاض 4.5% على أساس سنوي، وفق تقرير CBRE نقلاً عن هيئة الاحصاء. وكان شباط/ فبراير الأكثر حدةً، مع تراجع المعاملات الوطنية 45% مقارنةً بالمدة نفسها من 2025، فيما سجّلت وزارة العدل 18,300 معاملة فحسب بإجمالي 14.7 مليار ريال (3.9 مليار دولار)، وكانت معاملات الأراضي الأكثر تضرراً بتراجع الحجم 50% والقيمة 62%.
غير أن سوق الإيجار تسير في الاتجاه المعاكس تماماً؛ إذ سجّلت منصة إيجار ارتفاعاً في عدد العقود المُبرمة 37% في شباط/ فبراير وحده، فيما قفز إجمالي قيم العقود 85%، في مؤشر واضح على أن القادمين في إطار برنامج المقر الإقليمي يُفضّلون الإيجار على التملك. ويُضاف إلى ذلك أن الهيئة العامة للعقار أعادت ضبط سقف الإيجارات في أيلول/ سبتمبر 2025، فجُمِّدت العقود القائمة عند مستوياتها آنذاك، وهو ما ساهم في تراجع معدلات إيجار الرياض 2.1% على أساس سنوي في أذار/ مارس 2026، مما يعكس بداية مرحلة تسعير أكثر استدامة.
يُعيد المستثمرون توجيه رؤوس أموالهم نحو الأصول الصغيرة الحجم ذات العائد المرتفع، ولا سيما منها الاستوديوهات والشقق في نطاق 300 ألف إلى 500 ألف ريال (80 ألفاً إلى 133 ألف دولار). وفي هذا السياق، أبرمت شركة روشن عقوداً بقيمة 571 مليون ريال (152 مليون دولار) في مجمعَي سدرا ووارفة، وتُقدّم شركة المملكة القابضة مشروعاً بمساحة 3 ملايين متر مربع في الرياض بمبيعات مستهدفة بـ4 مليارات ريال (1.07 مليار دولار). أما على صعيد التسليمات، فقد سلّم المطورون نحو 12,800 وحدة خلال الربع الأول، تستحوذ الشركة الوطنية للإسكان (NHC) على 92% منها، وهي مرتقبة أن تظل المحرك الرئيسي لمعروض الرياض السكني بحصة 44% من الوحدات قيد الإنشاء حتى نهاية 2026.
التجزئة والضيافة واللوجستيات: قطاعات في مواجهة رياح متباينة
يواجه قطاع التجزئة تحولاً هيكلياً نحو التجارة الإلكترونية والوجهات التجريبية، مدعوماً بارتفاع المدفوعات الإلكترونية إلى 85% من إجمالي مدفوعات التجزئة في 2025، في مقابل 79% في 2024، بحجم 14.6 مليار معاملة، وفق بيانات البنك المركزي السعودي (ساما) الواردة في التقرير. وتبقى إيجارات المراكز التجارية الكبرى ثابتة عند 2,820 ريالاً (752 دولاراً) للمتر المربع سنوياً، فيما تستعد مشاريع "ويستفيلد جدة" للافتتاح في أيار/مايو 2026، و"ويستفيلد الرياض" في أيلول/سبتمبر 2026، و"أفينيوز الرياض" في الربع الأول من 2027، لتُضيف مجتمعةً أكثر من 200,000 متر مربع جديدة.
أما في قطاع الضيافة، فقد استقبلت المملكة 37.2 مليون سائح محلي وأجنبي في الربع الأول بإنفاق إجمالي بلغ 82.7 مليار ريال (22 مليار دولار) وفق وزارة السياحة، تولّد 28.9 مليون منهم من السياحة الداخلية بنمو 16% على أساس سنوي وإنفاق 34.7 مليار ريال (9.3 مليارات دولار). بيد أن الأداء الفندقي جاء متبايناً؛ فعلى مستوى المملكة تراجع معدل الإيراد لكل غرفة متاحة (RevPAR) الإجمالي 1.3% منذ مطلع العام حتى مارس/آذار، وفي هذا الشهر وحده تراجع بشدة 15.7%، في حين سجّل RevPAR الرياض انخفاضاً 9.5% منذ مطلع العام و18.5% في مارس وحده. في المقابل، كانت جدة استثناءً إيجابياً بارتفاع إشغالها 13.2% في مارس ونمو RevPAR 13.1% في الشهر نفسه.

وتبرز اللوجستيات بصفتها القطاع الأعلى زخماً؛ إذ واصلت إيجارات مستودعات الدرجة الأولى ارتفاعها بين 13% و22% على أساسٍ سنوي عبر مناطق الرياض وجدة. وتُمثّل شراكة روشن وAgility Logistics Parks لتطوير مجمع لوجستي بقيمة 2.5 مليار ريال (667 مليون دولار) على مساحة 1.3 مليون متر مربع في جدة، أبرز التزام رأسمالي في القطاع خلال الربع، يُضاف إليه المشروع المشترك بين أرامكو السعودية وDHL، المعروف بـ(ASMO)، بالشراكة مع Arcapita لتطوير 1.4 مليون متر مربع لوجستية في مجمع الملك سلمان للطاقة.
مشاريع عملاقة تعيد تشكيل المشهد
تُشير بيانات التقرير إلى أن عدداً من المشاريع الكبرى وصلت إلى مراحل تنفيذ ملموسة: فبرج جدة الذي سيُصبح أطول مبنى في العالم عند اكتماله بارتفاع يتجاوز 1,000 متر، تجاوز حاجز 100 طابق و400 متر ومن المرتقب إنجازه عام 2028. وفي نيوم، تحوّل مشروع "ذا لاين" نحو أن يكون مركزاً عالمياً للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات دعمته شراكة بـ5 مليارات دولار مع شركة DataVolt. وفي حي المحمدية بالرياض، انطلق مشروع "Quality Valley" — الشراكة بين القطاعين العام والخاص على مساحة 191,000 متر مربع — نموذجاً لتوظيف خبرة القطاع الخاص في تطوير الأصول الحكومية. كذلك انطلقت أعمال البناء فوق مستوى الأرض في موقع معرض "إكسبو الرياض 2030" نهاية الربع الأول، فيما تستعدّ حديقة الملك سلمان لفتح مرحلتها الأولى أواخر 2026.
خمسة أرقام تختصر سوق العقار السعودي
● صفقات بـ30 مليار دولار رغم التباطؤ: سجّلت سوق العقار صفقات بـ112 مليار ريال في الربع الأول بنمو 6.8%، في حين تراجعت توقعات النمو الاقتصادي إلى 1.9% فقط.
● مكاتب الرياض ممتلئة: معدل الإشغال بلغ 97.7% مع حضورٍ فعلي لأكثر من 780 شركة عالمية فتحت مقارّ إقليمية في المملكة.
● الوافدون يستأجرون ولا يشترون: قيمة عقود الإيجار السكني قفزت 85%، فيما تراجعت صفقات البيع 4.5% في المدة نفسها.
● المستودعات في أزمة عرض: إيجارات المستودعات من الدرجة الأولى ارتفعت بين 13% و22% خلال عام، مدفوعةً بالتجارة الإلكترونية وتحويل مسارات الشحن.
● الرياض تتراجع، جدة تصعد: إيراد الغرف الفندقية في الرياض انخفض 18.5% في مارس/آذار، فيما ارتفع في جدة 13.1% في الشهر نفسه.