سوق العيد بالقصر الكبير
عند تنفس الصبح، وقبل أن تكشف الشمس عن وجهها بكامل بهائها وحرها، أخذت شرايين المدينة تضخ الحجيج من كل أنحاء المدينة وأحوازها نحو سوق أولاد احمايد، فرادى ومثنى وثلاث ورباع و…، ومن كل الأعمار، رجالًا وركبانًا، في هذا اليوم الذي يصادف آخر سوق أسبوعي بالمدينة. والأمل يحذو الجميع بالظفر بكبش، يتباهى بأقرانه الصغار، ويزيح هَمًّا طال أمد تحمله عن الكبار.
عند المدار الذي تلتقي عنده أبرز معالم المدينة: ضريح مولاي علي بوغالب في جهة، ودار الثقافة التي يحرسها شاعر المدينة الخمار الكنوني رحمه الله، وحارسها من التداعي الكلي من الجهة الأخرى، تنطلق الحشود في خط مستقيم، بين نكهات القهوة والشاي والفطائر، نحو السوق على قلب رجل واحد، بنية واحدة قلما تأتلف حولها القلوب. لا حرارة الجو، ولا الحرارة المشتعلة في الأثمان تثني عن تلبية النداء الإبراهيمي، والتخلف عن طقس اجتماعي توارثته الأجيال ولا يسقط القيام به مهما كانت التكاليف. وقد سبقهم إلى الرحبة: الكرابة (السقاؤون)، وأصحاب السفنج والبيصرة والحريرة و…، في غبش الظلام، بالإضافة إلى الكسابة والشناقة وأصحاب كل بضاعة رائجة في مثل هذه المناسبة، يرجون تجارة لن تبور، ورزقًا مَنَّوا به على النفس لأمد يطول.
متسوقون مندفعون بعضهم في ركاب بعض، تشرئب أعناقهم إلى الذين سبقوهم وما يجرون خلفهم من خرفان، وتتلاحق الأسئلة: «شحال هذا المبروك؟» فالرغبة جامحة ومتشوفة لمعرفة القيمة السوقية للأضحية قبل الاكتواء بلظاها. كما هي رغبة المسؤول في البوح بالثمن بأعلى صوته، تباهيًا حينًا، وتخلصًا من ضغطه حينًا آخر، ف «البوح للغرباء متعة وراحة» (دوستويفسكي). يخرج السعر مبلَّلاً بعرق التسوق والتفاوض العسير، كما عرق الكد في ادخاره، وهمِّ توزيعه بين الخروف والفحم والجزار و…
وما هي إلا لحظات، حتى يغدو الطريق بين مدار مولاي علي بوغالب والسوق سَيَّارًا، منشطرًا نصفين بين الذاهبين بآمالهم، والعائدين بخرفانهم وتَبَنهم وفحمهم، ومما لا يخطر على البال ولا تراه الأعين. لكن المباركة بالاقتناء المنثورة على طول الطريق، والابتسامة الواجبة في ردها، تجرف بعضًا من التعاسة التي نعانيها، والتي تحدث عنها تقرير أكسفورد الأخير حول السعادة، حيث يحتل المغرب المرتبة 112 ضمن 148 دولة شملها التقرير، رغم العدد الوفير من الدواب التي أريق دمها على مر السنين. وعند المدار نفسه الذي جمعهم في رحلة الذهاب، يتوادعون على أمل تكرار التسوق نفسه في القادم من الأعوام لمن أحياه الحي. وروح شاعر المدينة تراقب الجموع قائلة: «هسبريس تناديك باسمك في كل عام»، بعد أن تجرف أيام السنة رماد الفحم، وتمسح الأمطار أثر الدخان الداسم، وتنبت الكلأ لتسمين خرفان جدد.
The post سوق العيد بالقصر الكبير appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.