شارع عبد الفتاح كيليطو
في هذه البلاد، لم تمت الكتب دفعةً واحدة، وإنما ماتت ببطءٍ يشبه ذبول الأشجار في حدائق مهجورة. فقد كانت الأرصفة ممتلئة بالخطى، والمقاهي تعجّ بالضحكات، والهواتف تلمع مثل نجومٍ صغيرة في الأيدي، بينما نامت الروايات وحيدة خلف الزجاج، ترتجف من الغبار والوحدة. وصار الناس يخافون الصفحة كما لو أنها مرآة تكشف أعمارهم الضائعة، هاربين من الكلمات لأنها تفتح أبوابًا موصدة داخل أرواحهم.
وهناك، كما هنا، في الشوارع التي تحمل أسماء الكتّاب، ساد الصمت أكثر فصاحة من الجميع. وساد صمتٌ حزين يجعل المدن تبدو أنيقة من الخارج، لكنها من الداخل، فارغة كقلبٍ نسيَ يومًا كيف يحب المعرفة.
مقبرة الكتب المغربية
في أطراف الرباط، شُيّدت ذات يوم مقبرة غريبة للكتب المغربية، لم تكن مقبرة للموتى، وإنما للكتّاب الذين ماتوا واقفين داخل لغتهم، تاركين خلفهم كتبًا لم تجد من يقرأها. فقد أنفقت الحكومة أموالًا طائلة على المشروع؛ ممرات رخامية طويلة، خزائن زجاجية مضاءة بعناية، أشجار زيتون ونخيل، نوافير صغيرة تهمس بالماء، كراسٍ وثيرة تحت الظل، وموسيقى هادئة تنساب مثل صلاة بعيدة، ومضيفات يبتسمن للزوار كما لو أنهم يدخلون متحفًا وطنيا أو ضريحًا مقدسًا.
وُضع كل كاتب داخل جناح خاص، إلى جانب كتبه وصوره ومخطوطاته ونظارته القديمة ورسائله وأقلامه اليابسة. هنا زاوية للكاتب محمد شكري، وهناك رفوف للكاتب إدريس الشرايبي، وفي الجهة المقابلة صورة كبيرة للكاتب عبد الكريم غلاب، بينما تنام أعمال محمد زفزاف تحت أضواء خافتة تشبه الحنين. كما وضعت كتب إدريس الخوري ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمان والمهدي المنجرة…بعناية فائقة.
وتحوّلت المقبرة بسرعة إلى مزار عالمي. يدخل السياح اليابانيون والألمان والإسبان والأمريكيون… المكان بدهشة حقيقية، يسألون عن الروايات، عن المنفى، عن اللغة العربية، عن الدارجة المغربية… عن المدن التي خرجت منها تلك الكتب، وعن الحروب الصغيرة التي عاشها الكتّاب وهم يكتبون ضد العزلة والفقر والنسيان والمخزن والحكومات المتعاقبة وعن مغرب الحماية ومغرب الاستقلال.
ويشترون الكتب بالعشرات، يجلسون لساعات يقرأون المقاطع بصوت خافت، يلتقطون صورًا مع الأغلفة كما لو أنهم يعثرون على كنوز بشرية نادرة.
أما المغاربة، فيدخلون جماعات أنيقة، أساتذة وأستاذات، أطباء وطبيبات، مهندسون ومهندسات، قضاة ومحاميات، موظفون وطلبة وتلاميذ… ويلتقطون الصور عند المدخل أولًا، ثم أمام النوافير، ثم قرب أسماء الكتّاب. ويقول أحدهم بإعجاب: “يا لها من هندسة مذهلة ويا له من مكان رائع “.
وتقول أخرى وهي تعدّل هاتفها: “الإضاءة هنا رائعة فعلًا”.
ثم يتقدّمون نحو الكتب بحذر يشبه الخوف. ويمسكون رواية كما يُمسك طفل شيئًا غامضًا وباردًا.
ويقلبون الصفحات بسرعة، وينظرون حولهم مرتبكين، ثم يعيدون الكتب إلى أماكنها بعجلة، كأن الكلمات قد تفضح شيئًا عميقًا في داخلهم.
بعد دقائق، يتجهون إلى المقهى الداخلي. تعلو الضحكات والموسيقى، وتُطلب القهوة والعصائر والحلويات الخفيفة.
وتمتلئ الطاولات بالأحاديث عن مباريات الكرة، والعروض العقارية، والسفر، والهواتف الجديدة، والفضائح اليومية. أما الكتب، فتبقى وحيدة داخل الخزائن الزجاجية، مضاءة بعناية، مثل جثث نبيلة في مشرحة فاخرة.
وكان الكاتب عبدالعزيز كوكاس، الذي يزور المكان كل أسبوع يشعر بخجلٍ جارح. يرى الأجانب يخرجون بحقائب ممتلئة بالروايات، بينما يخرج أبناء البلد بألبومات صور فقط. ويتساءل بصمت:
ما الذي حدث بين المغاربة والكتاب؟ ومتى تحوّلت القراءة إلى شيء يثير الريبة؟ ولماذا يبدو حمل رواية في الشارع فعلًا غريبًا ومحتشما أكثر من حمل هاتف بعشرة رواتب؟
كان يشعر أحيانًا أن المشكلة ليست في غلاء الكتب ولا في ضيق الوقت، ولكن في خوف قديم يسكن الأعماق. فالكتاب الحقيقي لا يمنح الطمأنينة، وإنما يهزّها. إنه يفتح الأبواب المغلقة داخل الإنسان، ويجعله يرى هشاشته، وأكاذيبه الصغيرة، والعمر الذي ضاع وهو يظن نفسه حيًا.
ولهذا ربما، ظلّت “مقبرة الكتب المغربية” أكثر الأماكن حياة في البلاد، وأكثرها حزنًا أيضًا. مكانً يقصده المغاربة من شتى البلاد للاحتفاء بشكل الثقافة، لا بروحها. فهم يحبّون صور الكتب، لا الكتب نفسها. ويعشقون مظهر المعرفة، بينما يخافون، في سرّهم العميق، من تلك اللحظة الخطيرة التي قد يفتحون فيها كتابًا… ثم يكتشفون أنفسهم للمرة الأولى.
شارع عبدالفتاح كيليطو
في مدينةٍ مغربيةٍ تزدحم بأسماء الكتّاب، يمرّ الناس كل صباح من شارع طه حسين، وينعطفون نحو مقهى أمبرتو إيكو، ويجلسون قرب مكتبة تحمل اسم عبد الفتاح كيليطو، من شارع يحمل نفس اسم الكاتب، لكن أحدًا لا يدخل. كانت اللافتات مضاءة، والكتب مطفأة في الداخل كقبورٍ نظيفة.
حبيبة أستاذ جامعي، وهي طبيبة قلب، تقول بثقةٍ باردة: “أنا أقرأ فقط باللغات الأجنبية”، لكنها في الحقيقة، لم تقرأ رواية واحدة. مما يجعل قلبها يرتجف خارج غرفة العمليات. وصديقتها تملك شقةً بيضاء، تشبه غرفة عرضٍ للأثاث. لا كتاب واحد فيها، ولا أثر لورقٍ تعب من الأصابع. فقط عطور فرنسية، وشموع معطرة، وشاشة عملاقة تضيء الصمت.
أما خطيبها، فقد وضع مجموعة كتب خلفه في الصالون، مثل تحفٍ نادرة. كل من يزوره يقول بدهشة:
” يا لها من مكتبة جميلة!”، ثم لا يمدّ أحد يده نحو كتاب، كأن الكتب حيوانات محنطة يُمنع لمسها.
وفي المقاهي، كان الرجال يحفظون أسماء اللاعبين، كما يحفظ الرهبان تراتيلهم القديمة. ويتجادلون ساعاتٍ حول هدفٍ ضائع، ولكن أحدًا لا يتشاجر حول رواية أو قصيدة أو فكرةٍ غيّرت حياته.
ومرة سألتُ أستاذةً عن محمد شكري، فحدّقت فيّ طويلًا وقالت:
“لا أعرفه… أنا أقرأ الأدب الشرقي فقط”. وشعرتُ يومها أن شيئًا عميقًا يتصدّع في الروح.
وتذكّرت فهرنهايت 451، حين صار الناس يخافون الكتب، لأن التفكير صار تهمة.
وتذكّرت قول فرانز كافكا: “الكتاب فأسٌ للبحر المتجمّد داخلنا”، لكن البحر هنا لم يعد متجمّدًا فقط وإنما ماتت فيه الأسماك أيضًا.
وفي الليل، حين مررت قرب مكتبةٍ مهجورة، رأيت غبارًا كثيفًا فوق رواية لـ جوزيه ساراماغو،
فشعرت أن العمى مرض لا يصيب العيون، ولكنه حياة كاملة يمكن أن يعيشها شعب دون أن ينتبه.
زنقة محمد شكري
كان الطبيب يخرج من غرفة العمليات مثل جنرالٍ عاد من الحرب، يغسل يديه من الدم، وينظر إلى الكتب بريبة: ” لا وقت لديّ للحكايات… الناس يموتون”.
وكان الأستاذ الجامعي يشرح الأدب بوجهٍ بارد، كأنه موظف يختم الأوراق، ويقول بثقةٍ خشبية:
“الرواية والمسرح والسينما… ليست من تخصّصي”.
أما المعلمة، تمر من زنقة محمد شكري ولم تسأل من يكون؟ فقد نسيت رائحة الورق منذ أربعة عشر عامًا، وصارت تعتبر القراءة تعبًا إضافيًا، بعد يوم طويل من الصراخ والسبورات.
وفي برشلونة، كان الناس يصطفّون تحت المطر من أجل رواية جديدة، كأنهم ينتظرون الخبز أو المعجزات. وقد نظر إليهم كاتب من بعيد، وشعر بشيء ينكسر داخله ببطء. فتذكّر مدنًا عربية تمتلئ بالمقاهي والهواتف والضجيج، لكن مكتباتها تشبه عيادات مهجورة، لم يعد يزورها أحد. وسأل نفسه بحزن:
هل صار الابتعاد عن القراءة نوعًا من المتعة؟ أم أن الكتاب مرآة قاسية، والناس يخافون رؤية وجوههم الحقيقية فيها؟
The post شارع عبد الفتاح كيليطو appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.