شخص يسكن هاتفك لا حياتك... ما هي "Textationship"؟
تستيقظ صباحاً، وقبل أن تنهض من سريرك، تنظر إلى هاتفك: هل أرسل رسالة؟ خلال النهار، تخبره بما حدث في العمل، ترسل له صورة فنجان القهوة، تشكو له من يومك، وتنتظر رأيه في تفصيل صغير قد لا يعرفه أحد سواه. وفي المساء، قد تكون رسالته آخر ما تقرأه قبل النوم.
يعرف مزاجك من طريقة كتابتك، وما الذي أزعجك أو أضحكك، وربما يعرف عنك تفاصيل لا يعرفها بعض أصدقائك المقرّبين. تتحدثان كل يوم، وقد تشعر بأن بينكما علاقة حقيقية... لكن ثمة تفصيلاً واحداً: أنتما بالكاد تلتقيان.
مرحباً بك في عالم الـ "Textationship"، العلاقة التي قد تعيش بكامل تفاصيلها داخل شاشة الهاتف.

تواصل يومي... ولقاءات شبه غائبة
الـ "Textationship" هي شكل حديث من العلاقات، تنشأ فيه رابطة عاطفية بين شخصين وتستمر بشكل أساسي عبر الرسائل النصية، مع تواصل محدود جداً، أو حتى معدوم، وجهاً لوجه.
قد تتشاركان أحاديث عميقة وتفاصيل يومية وأسراراً ودعماً عاطفياً، وتصبح رسائل "صباح الخير" و"كيف كان يومك؟" جزءاً ثابتاً من الروتين، لكن هذه الألفة الرقمية لا تنتقل بالضرورة إلى علاقة في الحياة الواقعية.
فهل يمكن للرسائل وحدها أن تخلق تعلّقاً حقيقياً؟ ولماذا قد يفضّل البعض علاقة تعيش خلف الشاشة بدلاً من نقلها إلى الواقع؟
View this post on Instagram
لماذا نكتفي بشخص داخل الهاتف؟
في حديثها إلى "النهار"، تشرح الاختصاصية في المعالجة النفسية ميرا يوسف بأن "التواصل اليومي عبر الرسائل قد يلبّي احتياجات عاطفية ونفسية لدى الشخص من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه يريد الدخول في علاقة".
فقد يستمتع البعض - وفق يوسف - "بالشعور بالاهتمام، أو بأن هناك من يهتم بتفاصيل يومه، أو بالألفة التي تنشأ مع الوقت"، في حين قد لا يكون راغباً في علاقة عاطفية أو مستعداً لها في تلك المرحلة.
وتلفت إلى عامل آخر يجعل هذا النوع من التواصل جذاباً بالنسبة إلى البعض، وهو "التحكّم". وتقول: "التواصل عبر الرسائل يمنحنا قدراً أكبر من التحكم. لدينا الوقت للتفكير في ردودنا، واختيار الكلمات، وتحديد أي جانب من شخصيتنا نريد أن نظهره، وما الذي نفضّل إخفاءه".

لذلك، قد يشعر البعض براحة أكبر خلف الشاشة مقارنة بالتواصل المباشر، حيث تكون ردود الفعل فورية ولا يمكن دائماً التحكم بالصورة التي نُظهرها عن أنفسنا.
لكن يوسف تشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم البحث دائماً عن تفسير خفيّ لهذه العلاقات، إذ قد يكون التواصل اليومي من دون انتقاله إلى علاقة عاطفية هو ببساطة الشكل الذي يريده الشخص، ولا ينتظر منه شيئاً أكثر.
هل يمكن أن نتعلّق بشخص بالكاد نراه؟
توضح يوسف بأن "الدماغ لا يبني التعلّق من خلال القرب الجسدي فقط، بل أيضاً من خلال الاستمرارية، والقدرة على التوقع، والتفاعل العاطفي".
فعندما يصبح شخص ما جزءاً من روتيننا اليومي، وننتظر رسائله، ونشاركه باستمرار ما يحدث معنا، يبدأ الدماغ باعتباره شخصاً مألوفاً؛ وما هو مألوف غالباً ما يُشعرنا بالأمان، وهنا يبدأ التعلّق بالتشكل.
لكن المفارقة أن هذا التعلّق قد ينمو فيما معرفتنا بالشخص الآخر لا تزال محدودة بما يختار أن يظهره عبر الشاشة.
وهنا تشير يوسف إلى جانب أساسي في الـ "Textationship" هو "الخيال". فنحن لا نرى الطرف الآخر بالضرورة في مواقف الحياة اليومية، ولا نعرف كيف يتعامل مع الخلافات أو الضغوط أو المسؤوليات، ما يترك مساحة واسعة للإسقاطات والتخيّل.
وتقول: "نحن غالباً نملأ الفراغات بخيالنا"، محذّرة من أننا قد نصل أحياناً إلى مرحلة "لا نتعلّق فيها بالشخص نفسه بقدر ما نتعلّق بالشخص الذي رسمناه في أذهاننا".
أي أننا قد نعرف رسائله جيداً... من دون أن نعرفه هو بالقدر نفسه.
متى تصبح الـ"Textationship" مشكلة؟
وجود "Textationship" بحد ذاته ليس المشكلة، بل السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا النوع من التواصل لا يزال يلبّي احتياجات الشخص، أم أصبح يتركه عالقاً في انتظار شيء لا يبدو أنه سيتحقق.
لذلك يجب طرح مجموعة من الأسئلة على الذات: ما الذي لم يعد ينجح بالنسبة إليّ في هذه العلاقة؟ هل أنا متعلّق بهذا الشخص، أم بالفكرة التي كوّنتها عن العلاقة الممكنة بيننا؟ ماذا أريد فعلاً؟ وهل ما أريده متاح؟ وهل تصرّفات الطرف الآخر وإجاباته وحدوده تتماشى مع ما أبحث عنه؟
فقد يريد أحد الطرفين أن تبقى العلاقة داخل الهاتف كما هي، بينما ينتظر الآخر أن تتحول يوماً إلى لقاءات والتزام وعلاقة فعلية. عندها، قد تتحول الشاشة من مساحة للتواصل إلى ما يشبه "غرفة انتظار" عاطفية.
ليست المشكلة في أن تبدأ علاقة برسالة؛ الكثير من العلاقات اليوم تبدأ من شاشة. لكن شخصاً قد يعرف ماذا أكلت اليوم، وأي أغنية استمعت إليها، ولماذا كنت حزيناً عند منتصف الليل... ومع ذلك، قد لا يكون موجوداً فعلياً في حياتك.