شكسبير: إِكشِف لنا أَسرارَك العشرة (5 من 10)
فترةً بعد فترة، يتَّضح أَنَّ وليم شكسبير (1564-1616) لا شبيهَ له ولا مثيل: فهو أَشهرُ كاتب عالمي على الإِطلاق في جميع اللغات. ومسرحياتُه هي الأَكثرُ تمثيلًا وتنفيذًا بين جميع الكتَّاب المسرحيين في العالم. سوى أَنَّ مَن يعرفون أَعماله، لا يعرفون الكثير عن حياته الخاصة والشخصية. لذا أَنشأْتُ هذه السلسلة من 10 حلقات، لأَكشفَ صفحات مطويَّةً من سيرته الشخصية.
في الحلقات السابقة سردتُ لمحة عن نشأَته، وأَحوال أُسرته، وأَوضاعها في البيئة الدينية، وكارثة الإِفلاس التي وقَع فيها والده، ونحو سبع سنوات ضائعة من سيرته، وانكسار حياته الزوجية.
في هذه الحلقة أَضواء على مآسٍ مريرة في حياته أَطلعَتْ منه روائع.
أَحداث قاسية في حياته
في المشهد الخامس من الفصل الثاني لـكوميديا شكسبير "الليلة الثانية عشرة"، يقول "مالڤوليو": "لا تخافوا من العظمة. منا مَن وُلدوا عظماء، ومنا مَن يبلُغون العظمة في حياتهم، ومنا من يسعَون إٍلى العظمة طوال حياتهم". وهذا الأَمر، بكلمات شكسبير، تعبِّرُ عنه أَوَّلًا قبل سواه. فهو عانى وعاين في حياته سلسلة قاسية من المآسي، أَوحت إِليه بل أَلْهَمَتْه عددًا من المسرحيات التراجيدية والقصائد.
وفاة ابنه
أَبرز تلك المآسي: وفاة ولده الوحيد هامْنِتْ (1585-1596)، توأَم شقيقته جوديت (1585-1662). وكانت له ابنة بكر (سوزانَّا: 1583-1649). وفي الرواية أَن جوديت، ذات يوم من صيف 1596، مرضَت فجأَة بالحُمّى الشديدة، فهرع إِليها شقيقُها التوأَم هامْنِتْ. وكان شكسبير سمى وحيده هكذا على اسم صديقه الخبَّاز في ستراتْفُورد هامْنِتْ سادْلِر (1562-1624). ويبدو أَن الفتى هامْنِت التقَطَ جرثومة الحمّى فمات بها (وقيل بالطاعون الدُمَّليّ – الناجم عن لدغة حشرة سامة)، ودُفِنَ في 11 آب/أغسطس 1596 في مقبرة كنيسة الثالوث الأَقدس. لم يتمكَّن والده من وداعه لأَنه كان في مدينة كِنْتْ (البعيدة 80 كلم عن لندن و160 كلم عن ستراتفورد) يقدم إِحدى مسرحياته. وبقي الجرح عميقًا في قلب الوالد، فكتب من مأْساته هذه مسرحيته التراجيدية "هاملت" سنة 1599، وهي أَطول مسرحياته على الإِطلاق.
موت شقيقَتَيه الباكر
لكن شكسبير عانى قبلذاك من الموت المبكر في سن الطفولة، إِذ كان والده، قبل ولادة وليام، فقَدَ ابنتَين تُوُفِّيَتَا قبل سن العاشرة. وفي التحاليل أَن جرثومة الطاعون الدُمَّلي (bubonic plague) كانت منتشرة في أُوروبا خلال القرن الرابع عشر، وخصوصًا في المدن الصغيرة المكتظة السكان كما سراتفورد (مدينة شكسبير).
من الكوميديا إِلى التراجيديا
واضح تأْثير تلك المأْساة على نتاج الوالد الحزين. وكان، منذ وصوله إِلى لندن في مطلع 1590، ممثلًا وكاتبًا مسرحيًّا، اشتُهر بمسرحياتٍ كوميدية ساخرة ("رجلان من فيرونا"، "ترويض النمرة الشرسة"، ...)، ومسرحياتٍ تاريخية. ولكن، بدءًا من 1597 بدأَت مسحة سوداء توشِّح أَعماله. منذ تلك الفترة بدأَت تظهر مسرحياته التراجيدية" "روميو وجولييت"، وبعدها: "هاملت"، "ماكبث"، "الملك لير".
ليس واضحًا ولا موثَّقًا إِن كانت تلك المأْساوية السوداوية ناجمةً فقط عن وفاة ابنه أَو وضعه العائلي. فقبل 1596 كان شابًا متحمسًا مندفعًا ناجحًا ومطمئنًا إِلى أُسرته في ستراتفورد. وبعد وفاة ابنه، أَحس بالشيخوخة حتى وهو في الثانية والثلاثين، إِذ شعر بأنه بات بلا وريث ذكَر. وقد يكون شعر باليأْس والإِحباط، والتساؤُل: هل يستاهل العمر كل هذا الجهد؟
ملامح من حياته في تراجيدياته
في تراجيدياته، ملامح من حياته الخاصة: في "هاملت" (والاسم محرَّفٌ من اسم ابنه "هامنت")، أَحداث هي الأَقرب إِلى فجيعته بولده، من حيث العلاقة بين أَب وابنه. وفي "الليلة الثانية عشرة"، مشاهد حول تجارب ابنةٍ مات توأَمُها الشقيق (إِلماح إِلى وفاة ابنه وهو توأَم ابنته جودي الشقيق). وفي مشاهد "الملك جون" و"يوليوس قيصر" و"العاصفة"، إِلماح واضح إِلى ندَم الآباء حيال موت أَبنائهم.
قصائده وخلفياتها
في تلك الفترة أَيضًا بدأَت تظهر قصائده القصيرة (نحو 154)، وفيها كذلك ملامح من حياته الشخصية والعائلية. فموت ابنه واضح في بعض أَبياتها، وعلاقته المكسورة بزوجته واضحة أَيضًا في تورية قصائده عن "السيدة السوداء". صحيح أَنْ ليس واضحًا مَن كان يقصد في قصائده، لكن بعض الدارسين رجَّحوا أَن المقصودة في قصائد "السيدة السوداء" (صدرت سنة 1609) قد تكون الشاعرة إِميليا لانير (عشيقة أَحد الممثلين معه)، أَو "بلاك لوس" (مديرة ماخور)، أَو آلين فلوريو (زوجة المترجم جون فلوريو) وكانت له معها وشائج عاطفية.
الحلقة التالية: هل كان شكسبير فعلًا هو كاتب مسرحياته؟