ضريح الكلمات وصرح الذاكرة.. شهادة في رحيل الزاخر عبد الغني أبو العزم

لنا في مشهدنا الثقافي صداقاتٌ وعداواتٌ لعلّها من صميم الحياة الأدبية. غير أنّ لنا، إلى جانب هذه وتلك، قراباتٍ أيضًا، قرابات تتجاوز النّسَب إلى ما هو أوثق وأبقى. وأجزِم أنّ الرّاحل الكبير عبد الغني أبو العزم كان من أقاربي المقرّبين، ولهذه القرابة وجوهٌ وتجليات.

أوّلها أننا من ذات الأصول؛ فأصوله تمتدّ إلى منطقة الشياظمة، نواحي الصويرة، وكان لقبه “الشّيظمي” قبل أن يَستبدل كُنيته الأصلية باسم “أبو العزم”. وقد جمعتْهُ بوالدي، رحمهما الله، السُّنّةُ ذاتها في استبدال اللقب.

نشأ الراحل بحيّ الزاوية العباسية، وكانت الزاوية وساحة الدّصّْ المُقابلة لضريح الولي أبي العباس السبتي وباب تاغزوت من أخصب مراتع صباي أنا، ابن عرصة الملاك. وكان الرجل عاشقًا كبيرًا لمراكش، أفرد لها حيّزا معتبرًا في سيرته “الضريح” و”الضريح الآخر”. وبدوري خصّصت لعاصمة المرابطين عدّة عناوين: “مراكش: أسرار معلنة”، “مراكش نوار”، “مراكش التي كانت”، “هوت ماروك”، فضلًا عن روايتي القادمة “دابا مراكش”.

وجمعتني أيضًا بالرّاحل حياة متجاورة، في زنقة لبريهي بالرباط، لسنوات امتدّت كأنّها فصلٌ سِرّيٌّ من حكايةٍ: هو في صومعته العلمية، منقطعًا لمشاريعه الكبرى، خصوصًا معجمه “الغني الزاهر”، وأنا في دار لبريهي التي ظللتُ مشدودًا إليها لثلاثة عشر عامًا زمنَ برنامج “مشارف”. هناك، كان القُربُ يأخذ شكله الصّامت، بلا حاجة إلى إعلان، كأنّ الأمكنة تتكفّلُ بحفظ المعنى.

والحقيقةُ أن مراكش لم تجمعني بالرّاحل بوصفها مكانًا فحسب، بل باعتبارها قدرًا مشتركًا. ففي جغرافيتها السّرية تتراكبُ الخُطى، وتتواشجُ الظلال، وتتآلفُ الذكريات؛ كأنّنا كنّا، دون أن ندري، نتقاسمُ الطفولة ذاتَها، وإن باعدَتْ بيننا السنوات. فمثلما تتشابك أزقة الحمراء، تقاطعَت طفولاتُنا بها دون أن تلتقي، فقد ظللنا، على توالي الأجيال، نغرِفُ من عينٍ واحدة.

لذا حين قرأتُ “الضريح” أولَ مرّة، انتابني شعورٌ أليفٌ وغريبٌ في آن: أن أتبيَّنَ مكانًا أعرِفه، لكنني أتلقّاه وكأنني أكتشفهُ لأول وهلة. وهذا الالتباس سرٌّ من أسرارِ لا الكتابِ وحدَهُ بل والمدينةِ أيضًا؛ ولعله أصْلٌ في مراكش التي تُمازجُ فيها الذاكرةُ الخيال، ويُباطِنُ فيها التاريخُ الحكاية.

في “الضريح” تنفتحُ بوّابةُ الحكي عن مدينةٍ عتيقة تتداعى، أزقّةٍ تزداد ضيقا كلما اتَّسعت المدينة وترامَتْ على أحوازها، طفولةٍ تكتشف براءتها ثم تُضيّعها في غمرة المشاغبات، عيشٍ رضِيٍّ على الكفاف والعفاف، وحكاياتٍ شعبية تأخذ اللّبّ وتسحرُ الوجدان.

مع ذلك، لم يجد القارئ الشّاب الذي كنتُه ضالّته في هذا العمل. كنت أبحث حينها عن كتابةٍ ترُجُّ الوجدان، وعن سِيَرٍ تهتِكُ المحرّم وتقتل الأب وتخاصم الذوق العام، وعن تجريبٍ يُنكّلُ بالأشكال والأجناس. لذلك جاء تفاعُلي مع “الضريح” مُحتشمًا يشوبُه التردُّد.

بيْدَ أنّ الزمنَ، وهو أعدَلُ النقّاد، أعاد ترتيبَ علاقتي بهذا العمل. فمع مرور الوقت، تغيّرت زاوية النظر. أدركتُ أنّ ما أنجزه أبو العزم ليس مجرّد نوستالجيا ساذجة، بل تدوينًا حميمًا لذاكرة المكان، واستعادة صادقة لما يتلاشى. كان يكتب مراكش ببساطة مُمتنِعة، دون تزويق أو ادِّعاء، وبحنان النبلاء.

هذه المحبرة الحانية التي سطّر الراحل بمدادها الدّافق كتاباته عن مراكش هي التي أغرتْني باستكتابه فيما بعد لكتابنا الجماعي “مراكش التي كانت”. كنتُ مُسكونًا بذاكرةٍ تتآكل الهوينى، كأنّ المدينة تُسحَب من تحت أقدامنا فيما نقفُ مسلوبي الإرادة يلفُّنا العجزُ وضُعف الحيلة.

كان هذا الكتاب الجماعي سعيًا لمقاومة النسيان؛ دعوةً لأن نمُدّ أيدينا إلى ما يتبدّد من ملامح مراكش، فنستعيده عبر أنفاس الكلمات قبل أن يبتلعه صمت الإسمنت. فجمعتُ في الكتاب أصواتًا من أجيال مختلفة، لا لتكتب فقط، بل لتشهد فتقول إنّ المدينة تتبدّد، وإنّ ما يضيع منها ليس تفصيلاً عابرًا، بل جزءًا من روحها.

وجاءني جوابه على النحو الذي يشبهه: هادئًا، كريمًا، حاسمًا وبلا تردّد. اختار “المصرف”، المقهى الذي قصده مرّةً أو أكثر رفقة والده، رحمهما الله، في نهاية خمسينيات القرن الماضي، والمكان الذي لم يعد قائمًا إلّا في وجدانه، فأعاد تشييده بالكلمات، ظلًّا ظلًّا، حتى خُيّل إليّ أنه لم يغب قطّ. لم يكن اختياره اعتباطيًّا؛ فقد كان يدرك بحسّه المرهف أنّ ظلالَ الأمكنة الصغيرة، الهامشية، تحفظ روح المدن أكثر مما تفعلُ معالمُها الكبرى.

ما يُدهش في مسيرة عبد الغني أبو العزم أنّ الرجل الذي كتب عن “الضريح” بكل هذا الشّجن الشعري، والذي أبدع “ظلال البيت القديم”، هو ذاته الذي أمضى عقودًا في بناء معجم متين على أرضية لغوية صلبة. هذا التناقض الظاهر يُبطِنُ تناسُقًا خفيًّا: الانتقال من الرواية والشعر والقصة إلى المعجم والترجمة والتحقيق لا يتمُّ عبر قطيعةٍ في التّصوُّر، بل عبر انتقالٍ في وظيفة اللغة نفسها. ففي الرواية، تُستعمَل اللغة لاستحضار المكان والذاكرة، وفي المعجم، تُستخدَمُ للحفاظ على الكلمات من الاندثار. ظلّ وعيٌ واحد يُؤطّره في الحقلين معًا، همُّه في الحالتين حفظُ ما يمكن حفظه: ففي الرواية يتولّى الذاكرةَ الحيّةَ لمدينته، لمدينتنا؛ وفي المعجم يرعى وحدةَ وثراء لغته، لغتنا؛ كأنّ كلّ مدخلٍ حجرٌ في عمارة اللغة.

وقد جاء معجمه “الغني الزاهر” ليُجسِّد هذا الوعي على نحوٍ هائل: أكثر من 3600 صفحة، تضمّنت حوالي 65,880 مدخلًا، مع تعريف 30 ألف مفردة ومصطلح. والحقيقة أن هذا العمل المعجمي الجبّار يُشبه إلى حدٍّ كبير المدينة نفسها: شبكة متينة من المعالم تحفظ الذاكرة وشمًا وشمًا، وتمنح اللغة مناعةً ضدّ النسيان. فكما تصونُ الكتابة الأدبية روحَ “مقهى المصرف” وغيرِه من أماكننا الدّارسة رغم انمحاء المعالم واختفاء البنايات، يحتفظ المعجم بالكلمات، راسخةً في ذاكرة لغتنا وفي ذاكرتنا اللغوية.

واللغة، بهذا المعنى، تصبح مكانًا أبديًّا، مدينة لا يهدمها زلزال ولا تذروها رياح العولمة. فالمعجمُ، كما المدينة، يُشادُ من الداخل، وتُحفَظ أزقتُه ومعالمه بالكلمات، ليجول فيه القارئ ويتنفّسَ عبق الحياة، ويجدَ فيه مأوى لذاكرته، لجوهره وكينونته. هنا تُعانقُ الذاكرةُ اللغة، فيغدو كلُّ مدخلٍ وكل مصطلحٍ فضاءً حيًّا نابضًا. هكذا، ومن هذا المنظور، يمكننا اليوم قراءة مسيرة عبد الغني أبو العزم كرحلة واحدة: من رواية المكان إلى عمارة اللغة، من استحضار الذاكرة الحيّة إلى صون الكلمة، كلها أشكالُ مقاومةٍ، حرصٌ على الذاكرة، وانتصارٌ للوجدان.

والحقيقة أنّ الرجل، حتى في عمله المُعجمي، ظلَّ يشبهُ نفسه. كان أحد مؤسّسي المنظمة المغربية لحقوق الإنسان، وتشبُّعُه بحقوق الإنسان وحقوق المرأة تحديدًا جعله ينتصر لتاء التأنيث التي درجت المعاجم العربية على إلغاء مداخلها ومُشتقّاتها. هكذا أصرّ على أن تحتلّ تاءُ التأنيث وجودَها الفعلي في معجمه “الغني الزاهر”، إنصافًا للمرأة وحضورها المُتنامي في الواقع والخطاب العربيّين المعاصرين.

وعلى النقيض مِمّن حاولوا فصْلَ مغربية المغاربة عن عروبتهم، وكأنّ غزة وتازة ليستا أختين شقيقتين، ظل أبو العزم، المدافعُ الكبير عن لغة الضاد، متشبّعًا بمغربيته. فلم يتردّد في إدراج مفردات محلية مغربية عديدة في قاموسه، مُعتبرًا الاقتراضَ اللغوي جزءًا لا يتجزّأ من حيوية اللغة العربية وإحدى وسائل تجديدها.

وأخيرًا، إذا كان المُعجميون القدامى يكتفون بشواهد من القرآن والحديث والشعر القديم، وإذا كانت المعاجم الحديثة تأتي غالبًا خالية من الشواهد، فقد أعاد أبو العزم للشاهد مكانته المركزية في “الغني الزاهر”. هكذا لم يبق انفتاحُه وإيمانه بالتجديد مجرّد موقفٍ نظريّ أو شعارٍ استهلاكيّ، بل تجسّد في تنوّعِ مصادرِ شواهده واتّساعها؛ إذ إلى جانب القرآن والحديث والشعر القديم، استقى أبو العزم شواهده من نصوص معاصرة لكُتّابٍ مثل نجيب محفوظ وغسان كنفاني، وإدريس الخوري ومحمد زفزاف، وعبد الرحمن منيف وعبد الإله بلقزيز والطاهر وطار، وغيرها من الأسماء.

وهكذا لن تجد في المعاجم العربية اليوم معجمًا يماثل “الغني الزاهر” ثراءً، بعدما غدا مدارُ الشواهد فيه أوسعَ مجالًا وأرحبَ نطاقًا.

إنّ مسيرة الراحل، من ضريح أبي العبّاس إلى مقهى المصرف، ومن الشعر والرواية إلى المعجم، ليست مجرّد إنتاج أدبي أو علمي، بل رحلة مستمرة نحو إنقاذ الذاكرة، ذاكرة المدينة وذاكرة الكلمة على حدٍّ سواء. ففي مجموع إنتاجه الأدبي والمعجمي سعى أبو العزم إلى حفظ ما يمكن حفظُه، ورامَ منْحَ الحياة للأماكن والألفاظ التي يتهدّدها النسيان. هكذا شيّد لنا مدينتين متوازيتين: مدينة حيّة للوجدان، وأخرى صلبة للغة، ولكل منهما نصيبُها من الدّقة والعناية والحب. وهكذا يظل أبو العزم نموذجًا للأديب والعالم والمواطن، الذي يجمع بين الشغف بالمكان والحرص على الكلمة، ويُعلّمنا أنّ كل كتابة حقيقية هي فعلُ صونٍ وحبٍّ في آن.

كان الراحل شاهدًا على زمن مغربي صعب، اصطلى بنارِهِ وكابدَ محَنَه، دون أن تُفقِده المُكابدات لا رهافة الأديب ولا تواضُع الإنسان، فظل وفيًّا لقناعاته، صلبًا في مواقفه، ورقيقًا في روحه.

برحيله، تخسر مراكش واحدًا من حرّاس ذاكرتها، ونخسر نحن صوتًا كان يعرف كيف يُصغي إلى ما لا يُقال. لكنّ عزاءنا أنّ ما كتبه سيبقى، وأنّ الأثر الذي تركه فينا وفي مدينته أعمق من أن يزول.

حين أمرُّ غدًا بباب تاغزوت وأتطلّع ناحية الزاوية العباسية، سأرى ضريحًا آخر قد اكتمل فعلًا، لا في الحومة القديمة، بل في تلك الفسحة اللَّامرئية التي يتّخذُها الكُتّاب الكبار مقامًا حين يغادرون أجسادهم الفانية لتتأبّدَ إقامتهم في كتاباتهم. رحم الله صاحب “الضريح” و”الضريح الآخر”. رحم الله عبد الغني أبو العزم، وجعل من كلماته جسورًا تعبرها الأجيال القادمة نحو مراكش التي كانت، مراكش التي ما زالت، مراكش التي ستبقى.

مراكش في 9 أبريل 2026

The post ضريح الكلمات وصرح الذاكرة.. شهادة في رحيل الزاخر عبد الغني أبو العزم appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress