ظروف إسقاط "17 أيار" لن تتكرر مع الاتفاق الإطاري
في معرض المقارنة المفتوحة حاليا بين مرحلة إقرار اتفاق 17 أيار 1983 ومرحلة توقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي، يروي صحافي مخضرم أنه في الفترة التي سبقت مباشرة إقرار مجلس النواب للاتفاق الأول، كان على الحكم في بيروت أن يطلق "حملة تسويق" عربية لهذا الاتفاق، فبادرت حكومة الرئيس شفيق الوزان إلى إيفاد وزراء لزيارة العواصم العربية.
ومع الاتفاق الوليد، لم تكن بيروت في حاجة إلى بذل كل هذا الجهد، إذ بعيد وقت قصير من التوقيع في واشنطن، كانت اتصالات التأييد من تلك العواصم تتوالى على الرئاسة الأولى، مقرونة بكل صنوف التأييد والدعم، معتبرة أنها الممرّ الأمثل لاستعادة لبنان سيادته التامة على أراضيه، والضمان الأفضل لتحرير تلك الأرض.
لا تشكيك ولا ملاحظات
من تلك المقارنة يخرج الراصدون باستنتاج فحواه أن لا أحد في العالم العربي يبيّت نية التشكيك في الاتفاق أو تسجيل أيّ اعتراضات أو ملاحظات عليه، بل بدا جليا أن هذا العالم كان ينتظر ولادته.
ومن تتوافر عنده معطيات المقارنة بين الاتفاق الذي ولد لتوّه في الخارجية الأميركية، وذاك الذي بات في ذمة التاريخ، يلحظ أن الذين تصدوا بشراسة لمهمة استيلاده والمضي به، يقيمون على تقدير فحواه أن الظروف التي أفضت إلى إسقاط الاتفاق القديم في مهده قبل 43 عاما لم تعد مهيأة الآن، لذا فهم على ثقة بأنه ولد هذه المرة ليحيا ويستمر لا ليموت.
المعلوم أنه بعد وقت غير طويل على بدء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية التي سبقت استيلاد اتفاق 17 أيار، كانت سوريا التي أخرجت قواتها من بيروت وهي تجرّ أذيال الهزيمة والخيبة مع قوات منظمة التحرير الفلسطينية، قُدّر لها أن تنجح في استرداد زمام المبادرة، بفضل دعم تلقته من الاتحاد السوفياتي السابق، وما لبث هذا النظام أن أمّن لحكم حافظ الأسد صواريخ وأسلحة متطورة مكنته من إسقاط طائرات إسرائيلية وأميركية يومها، مما سمح للأسد بإعلاء الحديث عن "توازن الردع" مع إسرائيل.
بعدها فتح هذا النظام حدوده وأبواب مخازن سلاحه لمجموعات حلفائه في لبنان لتنطلق في رحلة مواجهة مع القوات الإسرائيلية.
تفاعل عربي
حينها كان العالم العربي على تفاعل أكبر مع القضية الفلسطينية، فبدأ الشارع العربي بالتفاعل مع "المقاومة" اللبنانية الصاعدة والتي لم تقتصر على لون سياسي أو طائفي واحد، وارتفع منسوب هذا التفاعل بعدما انطلقت انتفاضة الضفة الغربية (انتفاضة الحجارة)، فبدا أن ثمة رد فعل واسعا على الاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف 1982 وعلى نتائجه.
وفي الداخل اللبناني، نجح معارضو الاتفاق في إنشاء "جبهة إنقاذ" ضمّت أقطابا سياسيين هم الرئيس سليمان فرنجية والرئيس رشيد كرامي ووليد جنبلاط والرئيس نبيه بري، وقد تلقت دعما من بقايا قوى "الحركة الوطنية"، فيما كانت القوى المساندة للحكم تعاني نكسات متتالية بعد "مغامرة" حرب الجبل وصدامات الضاحية الجنوبية وشرق صيدا ومناطق أخرى. تلك التطورات والتحولات تضافرت لتضغط بقوة على حكم الرئيس أمين الجميل، فألغي اتفاق 17 أيار.
وعليه، يبحث المتحمسون للاتفاق الجديد عن العناصر والمعطيات التي ساهمت في إسقاط الاتفاق القديم، فلا يجدون لها أثرا، فيشجعهم ذلك على المضي في ثقتهم بأن الاتفاق الموقع عليه للتو في أروقة الخارجية الأميركية لم يولد وهو يحمل في أحشائه بذور موته، كما استنتج الرئيس بري، بل ويسألون ما المعطيات والمقدرات التي يعتمدها بري لكي يطلق وعده بإسقاط الاتفاق الوليد كما فعل عندما شارك في إسقاط الاتفاق الماضي؟
لذا، فإن المتحمسين للاتفاق الجديد يجدون أن على بري ومعه بطبيعة الحال "حزب الله" أن يبذلا جهودا استثنائية ليبرهنا أنهما يملكان القدرة على تشكيل جبهة اعتراض فاعلة على الاتفاق تفضي إلى إسقاطه.