عاد الورد

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

محمد سعيد حميد – اليمن 

 

 

 

 

"إلى كلِّ من همس لجدار زنزانته: سنخرج..."
لم تكن الزنزانة أوسع من ظلّي، ولا أضيق من صدري؛ بل رحماً مظلماً.
جدرانُها قريبةٌ من أنفاسي، باردةٌ كأنها وُلدت بلا ذاكرة، ومع ذلك… كنتُ أشعر أنها تسمع. كانت دبابير التعذيب تطنّ في أذنيّ وأنا جالس القرفصاء في جوف الليل، ووجعُ الضلوع المكسورة ينبض كساعة ثقيلة معلقة في صدر العتمة. كان السجّان يرفس بحذائه من يقف أمامه، وصوته يكسر السكون: "ستخرج ذليلاً". كان يرميها في وجهي تهديداً، فأعيدها إليه تحدياً، وكلما لقّنني اليأس درس الاستسلام، قاومته بها.
في إحدى الليالي، عاد السجّان ذاته. ليس لأنني أعرف اسمه، بل لأن القسوة حين تتكرر لأيام متتالية من التعذيب، تصبح ملامح. وقف عند الباب. لمحته بعد أن تسرب ضوءٌ خافت من شقوقه، كان يهجم علينا غالباً في جنح الظلام وفي يده كشاف لا يستخدمه إلا للضرورة. حدّق فيّ كما يُحدّق المنتصر في غنيمة. كان يصرخ في وجهي، لكن يده الأخرى كانت تعبث بطرف حزامه بلا توقّف، كأن شيئاً داخله لا يثق بصوته. وقال بنبرة من اعتاد أن يُصدَّق:
- هذه الأرض لنا. ستنسون أسماءكم، وستعتادون القيود.
لم أجب. ليس خوفاً، بل لأن الكلمات أحياناً تحتاج أن تُخزَّن في القلب حتى تنضج.
اقترب أكثر ورائحة التبغ تفوح من فمه، دفع رأسي إلى الجدار، وأوقعني أرضاً، وحين كنتُ أستجمع أنفاسي المكسورة لأقول: يا الله، فإذا به يركل فمي بوحشية، ويصرخ ساخراً: لن يُنقذك أحدٌ منّي. ثم أطفأ السيجارة على جبهتي وخرج.
حين كان الشرر يخترق جبهتي من شدّة الركل، شعرت بدفءٍ غريب ينتشر في صدري؛ كيَد أمي حين كانت تمسح جرحاً في طفولتي، عادت من الذاكرة لتربت حيث وجعي وتهمس: "الله معك يا ولدي...". 
في تلك الليلة، همستُ للجدار: "سنخرج". لم أقل متى، ولا كيف. لكن الجدار اهتزّ… أو هكذا خُيّل إليّ. 
مرّت السنوات كالماء المتسرّب من شقوق الحجر. وتعاقبت وجوه جديدة من الجلادين، يحملون الادّعاء نفسه والبرود المتعالي ذاته، ومع ذلك، كان شيءٌ ما يتغيّر. كان الخوف يتبدّد من عيون الناس شيئاً فشيئاً، وكأن الأرض نفسها بدأت ترفض وطأة الأحذية الغريبة. سمعتُ همسات السجّانين المتذمّرة وهم يدخنون السيجارة بجانب الزنزانة، وتناقل الأخبار همساً عن مقاومةٍ تكبر في الجبال، وعن عالمٍ بدأ يرى الحقيقة وراء الأقنعة.
ومرت أيام وليالٍ أخرى. في أحدها، سمعت السجّان الجديد يتلعثم في ترديد الشعار، وكأن الكلمات أثقلت لسانه. وفي ذلك اليوم كشفت رطوبة المطر ما خبأه الجدار. لمست نقشاً محفوراً بالظفر: "سترحلون". عندها عرفت أنني لم أكن آخر من همس لهذا الحجر.
ثم جاء ذلك اليوم. لم يكن يوم انفجارٍ مدوٍّ، بل كان يوم صمتٍ غريب، ثقيل كالصخر. سمعتُ ارتباكاً في الممرّات، وأبواباً تُغلَق بعنف، وخطواتٍ مستعجلة. لم يأتِ أحدٌ لإخراجي. بقيتُ طوال الليل أتساءل، حتى جاء السجّان الوطني، الذي كان يدسّ لي أحياناً بقايا خبز في عتمة الليل. فتح الباب ولم ينظر في عينيّ، بل نظر إلى حذائه المهترئ وهو يقول: "رحلوا...". ثم توقف، كأن الكلمة أثقل من أن تُحتمل. لأول مرة رأيت عينيه مبللتين.  
خرجتُ إلى النور، لا موسيقى ولا أعلام. آلمت عيناي أشعة الشمس التي حُرِمت منها سنوات. كانت القاعدة العسكرية التي احتضنت السجن، الحصينة كجبال شاهقة، خاليةً إلا من أوراقٍ متناثرة، وأعقاب سجائر، وعرباتٍ صدئة. بدا المشهد كأنه انهيارٌ صامت لإمبراطورية من دخان. وكنت، بجراحي التي لا تُحصى وبثيابي البالية، أتمشّى في ساحة كانت تُستخدم لاستعراض القوة، فلم أجد فيها إلا آثار ذلٍّ متسرّب.
سرتُ في الشوارع أسحب جسدي بصعوبة، ورأيت الناس يبيعون الخبز، يضحكون، يختلفون، ثم يتصالحون. رأيتُ الوطن حيَّاً. متعباً، نعم. مثقوباً، نعم. لكنه حيّ.
بعد أيام قليلة مُحيت آثار أقدامهم، كأن المطر مرّ من هنا وغسل الممرّات التي كانوا يملأونها بالصراخ؛ بلا كبرياء، بلا وداع، بلا نصر. وفي طريق العودة إلى قريتي، رأيت الناس يخرجون من بيوتهم، ليس بالهتافات الصاخبة، بل بصمتٍ كالسجود الأخير. كانوا ينظرون إلى بعضهم كأنهم يتأكّدون أن الكابوس انتهى. التقيتُ بعجوز عرفتني تجلس على حجر بئر قديمة، تمسك بيدها جرة فخارية. سكبت لي الماء في كفّي ويدايّ ترتعشان، ونظرت إلى عينيّ المنتفختين، وفمي المتورّم، وجسدي النحيل، ثم قالت ببساطة: "عاد الورد". لم أفهم في الحال، لكن دموعي سبقت فهمي. ففاضت عيناي بدموعٍ لم أذرفها تحت السياط؛ دموعاً ثقيلة تختلط فيها مرارة السنوات بحلاوة الحرية. 
وفي تلك الليلة، وأنا أستنشق شذى الريحان على سريري بعد غيابٍ طويل، سمعت صوت أذان الفجر يرتفع من المسجد. كان الصوت يرتجّ قليلاً، كأن حنجرة المؤذّن تخنق بالعاطفة. تذكّرت يوم ركل فمي ليمنعني من الدعاء. أغمضتُ عينيَّ وهمستُ: "الحمد لله". كان حمداً صاعداً من أعماق الجراح، حتى بلغ حنجرتي كأول أذانٍ سمعته روحي. خارج النافذة، لامس أول ضوء للفجر أغصان شجر السدر، فبدت كأنها يدٌ حانية تمسح جدار الزنزانة من ذاكرتي.   
أيقنتُ أن الكرامة التي داسوها يوماً قد أنبتت جذورها في أعماق الأرض، وامتدت كخريطة نورٍ خافت. 
وأن الأرض التي حاولوا امتلاكها لم تنجب لهم إلا الهزيمة.
ومضوا، كما يمضي كلُّ طغيان، إلى غياهب النسيان.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية