عقود سحابية تحوّل "سبيس إكس" من شركة صواريخ إلى ذكاء اصطناعي
"سبيس إكس" (SpaceX)، شركة الفضاء التي أسسها إيلون ماسك عام 2002 بهدف تصنيع الصواريخ وتخفيض كلفة الوصول إلى المدار، أعلنت الثلاثاء أول نتائج فصلية لها منذ إدراجها في بورصة "ناسداك" في حزيران/يونيو الماضي، لترتفع إيراداتها 92% على أساس سنوي إلى 7.8 مليار دولار، متجاوزة توقعات المحللين البالغة 6.8 مليار دولار. لكن الفاحص لتفاصيل النتائج يجد أن قطاعاً واحداً هو من صنع أكبر مفاجأة: الذكاء الاصطناعي، الذي قفزت إيراداته 247% على أساس سنوي إلى 2.56 مليار دولار، متجاوزاً بفارق كبير نمو "ستارلينك" (66%) ونمو الإطلاقات الفضائية (29%)، ليصبح ثاني أكبر مصدر دخل للشركة بعد الاتصالات، متقدماً على نشاط إطلاق الصواريخ نفسه.
الشركة، المدرجة تحت رمز "SPCX" وتشرف عليها إدارة إيلون ماسك، دمجت في وقت سابق من العام مختبرها للذكاء الاصطناعي "إكس إيه آي" (xAI) ومنصة "إكس" ضمن هيكلها في صفقة قيّمت الكيان المشترك بنحو 1.25 تريليون دولار قبل الطرح العام، في خطوة مهدت لظهور الذكاء الاصطناعي كوحدة أعمال رسمية داخل الشركة.
كيف تحوّل مختبر داخلي إلى مصدر دخل
القصة بدأت بمركزي بيانات بناهما "إكس إيه آي" في مدينة ممفيس بولاية تينيسي لتدريب روبوت الدردشة "غروك" الخاص بها. بعد الدمج مع "سبيس إكس"، حوّلت الشركة جزءاً كبيراً من هذه القدرة الفائضة إلى نشاط تأجير تجاري: في أيار/مايو الماضي وقّعت "أنثروبيك"، صاحبة روبوت "كلود" المنافس المباشر لـ"غروك"، عقداً يمنحها حصرياً معظم قدرة مركز البيانات "كولوسوس 1" في ممفيس مقابل 1.25 مليار دولار شهرياً حتى أيار/مايو 2029، بقيمة إجمالية تقارب 45 مليار دولار. وفي حزيران/يونيو، وقّعت "غوغل" عقداً مماثلاً يمنحها إمكانية الوصول إلى نحو 110 آلاف معالج رسومي من "إنفيديا" مقابل 920 مليون دولار شهرياً حتى حزيران/يونيو 2029، بقيمة إجمالية قريبة من 30 مليار دولار.
الأرقام الفصلية تعكس أثر هذه العقود مباشرة: إيرادات قطاع "حلول وبنية الذكاء الاصطناعي" وحدها بلغت 2.2 مليار دولار، مقارنة بـ480 مليون دولار في الربع الأول فقط و310 ملايين دولار في العام الماضي، أي بزيادة فصلية بلغت 213%. هذه السرعة في النمو تفوق أي قطاع آخر في الشركة، وتشير إلى أن الطلب على الحوسبة السحابية بات يتوسع أسرع من الطلب على الإنترنت الفضائي نفسه.
المفارقة التي تجنّبت الإدارة الإشارة إليها
اللافت في الأمر أن "سبيس إكس"، عبر ذراعها "إكس إيه آي"، تؤجّر حالياً بنية تحتية حيوية لشركة "أنثروبيك" التي تُعد من أشد منافسي "غروك" في سباق نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن ماسك يراهن على تحقيق عائد مالي من خصمه المباشر بدل الاصطدام معه فقط في السوق. الإدارة لم تصف هذا التحول علناً بأنه تغيير في هوية الشركة، بل أشارت إليه ضمن سياق تشغيلي عادي، مؤكدة أن قطاع الذكاء الاصطناعي "أصبح أكبر مجال استثماري" داخل المجموعة. وقال ماسك خلال المكالمة مع المستثمرين إن الشركة قررت بناء بنيتها المقبلة للذكاء الاصطناعي حصرياً على معالجات "إنفيديا"، في إشارة إلى استمرار التوسع في هذا الاتجاه.
الكلفة كانت مرتفعة بالمقابل: من إجمالي إنفاق رأسمالي بلغ 18.4 مليار دولار في الربع، ذهب نحو 16 مليار دولار منه إلى أعمال "إكس إيه آي" وحدها، مقارنة بأقل من مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. هذا ما فسّر تراجع سهم الشركة أكثر من 8% في تعاملات ما بعد الإغلاق رغم تجاوز النتائج للتوقعات، إذ ركّز المستثمرون على كلفة توسّع الذكاء الاصطناعي أكثر من تركيزهم على نمو الإيرادات نفسه.
لماذا يهم المستثمرين
ماسك أبدى ثقة بأن هذا الإنفاق سيؤتي ثماره سريعاً، قائلاً إن الشركة تتوقع الوصول إلى معدل إيرادات سنوي (annualized revenue run rate) يتجاوز 100 مليار دولار بحلول كانون الأول/ديسمبر المقبل، اعتماداً أساساً على استمرار تدفق عقود الحوسبة، ووصف هذا الهدف بأنه "ليس محل تساؤل". غير أن عقود "أنثروبيك" و"غوغل" تتضمن بنوداً تتيح لأي من الطرفين إنهاء الاتفاق بإشعار مسبق 90 يوماً بعد نهاية 2026، ما يجعل استدامة هذا المصدر الجديد للدخل مرهونة بعلاقات تجارية قابلة للتغيير خلال فترة قصيرة نسبياً.
الصورة الأكبر
ما تُظهره نتائج "سبيس إكس" يتجاوز حدودها كشركة فردية؛ فهي مثال على كيفية إعادة تشكيل شركات التقنية الكبرى نفسها حول سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تتحول حتى الشركات المتخصصة في قطاعات مغايرة تماماً، كصناعة الصواريخ، إلى مزودي حوسبة إذا توفرت لديها الطاقة ومراكز البيانات والقدرة المالية على الاستثمار فيها. بالنسبة لمستثمري "سبيس إكس"، فإن السؤال الحقيقي بعد هذه النتائج لم يعد نمو "ستارلينك" أو عدد عمليات الإطلاق، بل مدى قدرة الشركة على الحفاظ على عقود الحوسبة هذه وتحويلها إلى تدفقات نقدية مستقرة، في وقت تتنافس فيه مع مزودي الحوسبة السحابية التقليديين على موقع لم تكن جزءاً منه قبل عامين فقط.
