علي صفيّ الدين في "بودكاست مع نايلة": حكاية بطل من الدفاع المدني اللبناني
في وطنٍ ينهض كلّ يوم من تحت ركام أزماته، تبقى الحكايات الصادقة هي التي تحفظ المعنى. وفي حلقةٍ مؤثّرة من "بودكاست مع نايلة"، تفتح نايلة تويني نافذة على لبنان الآخر؛ لبنان الذي يُرى في عيون رجالٍ يواجهون الموت ليمنحوا الآخرين فرصة للحياة. هناك، يطلّ علي صفي الدين، المتطوّع في الدفاع المدني اللبناني كمرآةٍ لروح وطنٍ يرفض أن ينكسر.
كتب علي صفي الدين قصة تختصر معنى التضحية. بصوتٍ هادئ وبسمة خافتة يخفي ألماً عميقاً، يستعيد حرب تموز/يوليو 2006، حين فقد ابنته الصغيرة التي لم تتجاوز عامها الثاني، في قصفٍ استهدف مركز الدفاع المدني في صور. ومع ذلك، لا يتحدّث عن الفقد كنكبة، بل كقربان، ويرى أن الله يعوّضه في كل روح ينقذها، وكأنّه يعيد كتابة معنى الأبوة من جديد، من تحت الأنقاض.
من تحت الركام تولد الحكايات
من قلب الدمار، تتكاثر الحكايات التي لا تُنسى، كأنّ الركام نفسه يحتفظ بأصوات من مرّوا فيه. يروي علي قصة الطفل عباس، الذي نجا وحيداً بعدما خسر عائلته بأكملها في قصف إسرائيلي على بيروت هذا الشهر، في واحدة من أقسى صُوَر الفقد. لم تكن عملية إنقاذه مجرّد مهمة، بل مواجهة عارية مع هشاشة الحياة وقسوتها. وحين أسمعته نايلة تويني الرسالة الصوتية للطفل، عاد المشهد بكل ثقله الإنساني، فاهتزّ صوته، وبدت الكلمات عاجزة أمام وقع الألم. تلك اللحظة ترسّخت في داخله كجرح حيّ لا يُنسى. ومع ذلك، لا تكسره هذه اللحظات، بل تدفعه أكثر إلى الاستمرار؛ ففي كل روح ينقذها، يرى صدى لابنته، وفي كل حياة تُستعاد، يجد وعداً جديداً للحياة.
وراء هذه المسيرة، تقف عائلة تشاركه الإيمان ذاته. يتحدّث عن زوجته بتأثر كبير، ويعتذر منها لأنه وضعها يوماً في قلب الخطر. أما ابنه، الذي يعمل معه في مركز مدينة صور، فلا يعامله كحالة خاصة، بل كمتطوّع مثل الجميع. لا امتيازات، فقط التزام. هنا، تختلط العائلة بالوطن، ويصبح الانتماء مسؤولية مشتركة، لا مجرّد شعور.
لبنان الهويّة والرسالة
خلال الحوار، يتكرّر اسم لبنان. بالنسبة إلى علي، لا شيء يعلو على هذا الوطن. الدفاع المدني ليس وظيفة، بل هوية ورسالة حياة. في بلدٍ اعتاد الأزمات، تصبح التضحية فعل مقاومة، ويغدو إنقاذ الأرواح أسمى أشكال الانتماء. ورغم كل هذا الإيمان، لا يغيب الواقع. يطلق علي صرخة واضحة لدعم الدفاع المدني اللبناني، هذا الجهاز الذي يقف في الصفوف الأولى بإمكانات محدودة. يذكّر بأن هؤلاء المتطوّعين هم خط الدفاع الأول عن حياة الناس، وأن دعمهم ليس خياراً، بل واجب وطني.
في نهاية البودكاست، يتحوّل علي صفي الدين إلى صورة حيّة للبنان الذي نريده. قصّته تختصر معنى الانتماء الحقيقي، حيث يصبح الألم قوة، والتضحية حياة. في زمنٍ يثقل فيه التعب، يبقى أمثال علي دليلاً على أن هذا الوطن، مهما انحنى، لا يسقط… لأن فيه من يختارون كل يوم أن يحبّوه، حتى النهاية.