عندما تعطي الدولة باليد اليمنى وتسحب باليد اليسرى
«من لا يرغب في العطاء، يَعطي بيده اليسرى» مثل بوركينابي
يعرّف مكتب العمل الدولي الحوارَ الاجتماعي بأنه يشمل جميع أشكال التفاوض أو التشاور أو مجرد تبادل المعلومات بين ممثلي الحكومات وأرباب العمل والعمال حول القضايا ذات الاهتمام المشترك المرتبطة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية. ويمكن أن يكون هذا الحوار ثلاثي الأطراف، أو ثنائيًا يقتصر على أرباب العمل والأجراء، أو يتم بين النقابات ومنظمات أرباب العمل مع مشاركة مباشرة أو غير مباشرة من الحكومة. وقد يكون هذا التشاور غير رسمي أو مؤسساتيًا، أو يجمع بين الصيغتين معًا. كما يمكن أن يتم على المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي، وقد يكون بين القطاعات أو داخل قطاع معين أو على مستوى المؤسسة.
في المغرب، ومنذ تنصيبها، لا تفتأُ الحكومةُ الحالية تكرّر – بطريقة ببغائية – الحديث عن “طابعها الاجتماعي”، رغم التناقض الصارخ بين هذا الخطاب وبين جوهرها الحقيقي الذي هو رأسمالي، ليبرالي ومحافظ. فتركيبتها، وأعضاؤها، وأيديولوجيتها، وسياساتها، بعيدة كل البعد عن الحس الاجتماعي، الذي لا يُستعمل هنا إلا كشعار تسويقي. وهكذا تُقدَّم الاجتماعات البروتوكولية التي تُعقد عشية كل عيد للشغل، باعتبارها تجسيدًا لما يسمّى “مأسسة الحوار الاجتماعي”، وكأنها إنجاز اجتماعي يُحسب لهذه الحكومة.
فهل نتحدث فعلًا عن حوار اجتماعي؟ أم عن مجرد “هدية سياسية” لتحسين صورة النقابات أمام قواعدها؟ وهل يمكن الحديث عن مأسسة حقيقية لهذا المسار؟ ومن المستفيد من هذا الحوار الاجتماعي المزعوم؟ هل هم جميع الأجراء المغاربة، أم فقط فئة محدودة تمتلك “الصوت المسموع ” (the voice)؛ أي موظفو الدولة؟
ألا تستحق القوة العاملة المغربية، التي تُعد فخر الاقتصاد الوطني، وضعًا أفضل واهتمامًا خاصًا من قبل شركائنا “الاجتماعيين”، أو على الأقل محاميًا حقيقيًا يدافع عن مصالحها، بدل الوضع الحالي الذي لا يخدم إلا أولئك الذين يمتلكون “الصوت”؟ . أسئلة عديدة تفرض نفسها، وسنحاول تقديم بعض عناصر التوضيح بخصوصها.
أولًا: الحوار الاجتماعي في المغرب : هيئات في سبات طويل
حسب مكتب العمل الدولي، فإن الشروط الأساسية لنجاح الحوار الاجتماعي تتمثل في:
أ. وجود منظمات عمالية ومنظمات أرباب العمل قوية ومستقلة، تتوفر على الكفاءة التقنية وإمكانية الولوج إلى المعلومات الضرورية للمشاركة الفعالة في الحوار الاجتماعي.
ب. توفر إرادة سياسية واضحة لدى جميع الأطراف للانخراط في الحوار الاجتماعي.
ج. احترام الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحرية النقابية والمفاوضة الجماعية (كما وردت في الاتفاقيتين رقم 87 و98 لمنظمة العمل الدولية. (
د. وجود دعم مؤسساتي ملائم.
هـ. الاعتراف المتبادل بين مختلف ممثلي الشركاء الاجتماعيين.
ينظَّم الحوار الاجتماعي أساسًا عبر مجموعة من الهيئات التي تضطلع بدور أساسي في تعزيز السلم الاجتماعي وتنظيم العلاقات بين الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين. وغالبًا ما يتم تصنيف هذه الهيئات بحسب تركيبتها، فقد تكون ثنائية أو ثلاثية الأطراف، حيث تشمل هذه الأخيرة ممثلي الحكومة ومنظمات أرباب العمل والعمال.
ووفقًا لرأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (CESE) الوارد في تقريره الموسوم »بالحوار الاجتماعي بالمغرب «، المصادَق عليه بتاريخ 26 نونبر 2020، والذي لا يزال راهنيًا، فإن هذا الحوار – الذي لا يتّسم لا بالمأسسة ولا بالانتظام – يظل رهينًا بالظرفية السياسية. كما يُختزل في الغالب في جولات الحوار الاجتماعي الوطني الثلاثي، على حساب أشكال أخرى للحوار الاجتماعي ذات تأثير مهم على السلم الاجتماعي، والأداء الاقتصادي، والتقدم الاجتماعي.
في هذا السياق، ينص التشريع المغربي على عدة هيئات للحوار الاجتماعي، من بينها:
غير أن هذا المجلس لم يُعقد منذ يناير 2019، وهو في حالة سبات مزمن منذ عقود (بمعدل اجتماع واحد في كل ولاية حكومية تقريبًا: دجنبر 2010، يونيو 2014، يناير 2019، ولا شيء إلى الآن!). ولا يمكن لهذا المجلس أن يضطلع بدوره الحقيقي إلا من خلال احترام دورية اجتماعاته وإشراكه الفعلي في الإصلاحات التي تعرفها الوظيفة العمومية، وهو أمر غائب تمامًا في أجندة الحكومة الحالية، بدليل الإصلاحات العميقة التي عرفتها قطاعات كالتعليم والصحة دون أي تشاور مع هذه الهيئة المفترضة للحوار الاجتماعي.
ويُفترض أن يتولى هذا المجلس تنسيق سياسة الحكومة في مجال التشغيل، وإبداء الرأي بشأن القضايا الوطنية المرتبطة بالتشغيل، لاسيما:
- إعداد واقتراح برامج ومخططات جهوية للتشغيل قائمة على الشراكة والمشاركة الفعلية.
- اقتراح تدابير إنعاش التشغيل، خاصة ما يتعلق بإدماج الشباب وتدبير سوق الشغل.
- إبداء الرأي بشأن التوجهات العامة لسياسة الدولة في مجال التشغيل.
- الإسهام في تطوير التشاور بين الشركاء داخل منظومة الإنتاج.
كما ينص القانون على إحداث مجالس جهوية وإقليمية لإنعاش التشغيل. غير أن التساؤل المطروح هو: هل تم تفعيل هذا الجهاز القانوني فعلًا؟ وهل أُشرك في برامج التشغيل الحكومية (فرصة، أوراش، خارطة طريق التشغيل الجديدة)؟ ومن يتحمل مسؤولية تعطيله منذ 2020؟
إضافة إلى ذلك، تنص مدونة الشغل على مؤسسات ثلاثية أخرى تعاني من الخلل نفسه (الجمود، ضعف التمثيلية، غياب النجاعة)، من بينها:
- مجلس المفاوضة الجماعية
- اللجنة الثلاثية لتتبع تطبيق مقتضيات الشغل المؤقت
- مجلس طب الشغل والوقاية من الأخطار المهنية
وبناءً عليه، يتبيّن أن الحكومة التي تقدم نفسها كحكومة “اجتماعية” لم تُفعّل، إلى حدود اقتراب نهاية ولايتها، أيًّا من هيئات الحوار الاجتماعي المنصوص عليها قانونًا، على الأقل من حيث احترام دورية اجتماعاتها.
ثانيًا: المطالب والمكتسبات : لماذا لا نُبتكر؟
عرفت المطالب النقابية عبر التاريخ تطورًا يعكس تحولات المجتمعات. فمن تحسين شروط العمل ورفع الأجور، انتقلت إلى قضايا الحماية الاجتماعية، والأمن الوظيفي، والمساواة بين الجنسين، ثم إلى رهانات معاصرة مثل الانتقال البيئي، والرقمنة، والصحة النفسية، وحماية العاملين الهشّين.
في المغرب، تميزت المطالب النقابية بالتركيز على تحسين الأجور وشروط العمل، ثم على الاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية ومواجهة غلاء المعيشة.
ويتميز العمل النقابي في المغرب بارتباطه التاريخي بالسياسة، وبالتشتت بين مركزيات عديدة، مما يضعف قدرتها التفاوضية. كما يلاحظ تركز العمل النقابي في القطاع العام (أقل من مليون موظف) مقابل ضعف الانخراط في القطاع الخاص (أكثر من 3 ملايين مصرح بهم لدى CNSS)، فالنقابات المغربية تعاني من:
- التسييس التاريخي،
- التشرذم والتعدد،
- تمركزها في القطاع العام،
- ضعف التمثيلية في القطاع الخاص، وهو ما يجعل الحوار الاجتماعي موجّهًا أساسًا لخدمة فئة الموظفين.
منذ 2021، تشهد القدرة الشرائية للمغاربة تدهوراً مستمراً أثر بشكل مباشر على المعيشة اليومية للمواطنين. ويرجع هذا التراجع إلى تضافر مجموعة من العوامل، أبرزها الموجات التضخمية غير المسبوقة التي رفعت أسعار المواد الغذائية والمحروقات إلى مستويات قياسية. مما نجم عنه تضخم مستمر في ظل ركود الأجور الحقيقية، ضمن سياق أزمة مركبة ذات أبعاد وطنية ودولية.
يعاني نظام اقتطاعات الضريبة على الدخل من اختلال واضح مقارنة بالضريبة على الشركات، حيث لا تُخصم معظم المصاريف الحقيقية للأجراء (الكراء – تمدرس الابناء….) كما هو الحال بالنسبة للمقاولات و أصحاب الدخول المهنية. و من الحلول المبتكرة إقرار خصم جزئي لمصاريف التمدرس من الضريبة على الدخل ، للتخفيف عن الأسر.
علاوة على ذلك، تظل الزيادة المباشرة في الأجور مطلباً نقابياً يستفيد منه موظفو الدولة بالأساس، بينما يُقصى أجراء القطاع الخاص ، باستثناء الرفع من الحد الأدنى للأجور ” (SMIG). وهذه الأخيرة تبقى هشة، لأن الدولة نفسها لا تضمن تطبيقها الشامل؛ ففي الصفقات العمومية للخدمات، ترفض الإدارة غالباً مراجعة الأسعار الناتجة عن رفع الحد الأدنى للأجور، مما يضع المقاولات في مأزق مالي يضر بالقدرة الشرائية للعمال.
خلاصة القول، لا يمكن اختزال الحوار الاجتماعي في زيادات فئوية وظرفية للأجور أو صور بروتوكولية. الطموح الاجتماعي الحقيقي يتطلب إصلاحات بنيوية جريئة، وانسجامًا حقيقيًا في سياسات الدولة : مراجعة الضريبة على الدخل لتشمل التكاليف الحقيقية للأسر، وتناسق مواقف الدولة في صفقاتها العمومية. فمن المفارقة التغني بالعدالة الاجتماعية مع رفض مراجعة أسعار خدمات الوساطة بعد رفع ” الحد الأدنى للأجور “. حتى لا يتحول الحوار الاجتماعي إلى “مونولوج متعدد الأصوات“.
لقد آن الأوان للانتقال من “الببغاوية السياسية” إلى تضامن اقتصادي فعلي، يُعامل فيه العامل المغربي كاستثمار لا كمتغير لتعديل الحسابات.