"عين فيتال" في إفران .. مقصد سياحي طبيعي ينعش "سويسرا المغرب"

ما إن تطأ قدماك تراب إفران التي تلقب بـ”سويسرا المغرب” حتى تهمس لك أشجار الأرز العتيقة عن سر المدينة، سر ينبع من عمق الجبل ويجري نقاء على مرأى العين، هناك، بين ظلال الغابة الوارفة ونسيم الأطلس العليل، تولد “عين فيتال” كقصيدة ماء لا تتوقف.

مياهها البلورية تتدفق من جوف الأرض في عناق أبدي مع الخضرة، لتصنع شلالا صغيرا يغني للزمن ويروي للزائر حكاية مدينة اختارت أن تكون فردوسا أخضر في قلب المملكة المغربية. إنها “عين فيتال”، جوهرة طبيعية تنساب من قلب غابة الأرز.

المكان يمنح الزائر فرصة نادرة لملامسة الماء من منبعه، باردا منعشا، يروي العطش ويغسل تعب الطريق في اللحظة ذاتها. هذه العين التي لا تعرف الجفاف لم تعد مجرد مورد مائي للساكنة، وإنما صارت رئة سياحية تتنفس بها “سويسرا المغرب”، إذ تستقطب يوميا مئات الزوار من عشاق الطبيعة والباحثين عن هدوء الجبل.

هنا في “عين فيتال” تفرش العائلات زرابيها على العشب، ويمرح الأطفال قرب الماء، ويوثق الشباب اللحظة بعدسة شغوفة بالجمال. وبابتسامة وفرحة بادية على محياه يقول محمد السالمي، متقاعد من مدينة فاس، جاء رفقة أحفاده: “أزور عين فيتال منذ ثلاثين سنة. هنا أجد راحتي… صوت الماء وحده دواء للأعصاب”.

وأضاف السالمي في تصريح لهسبريس: “أبنائي كانوا يلعبون في هذا المكان، واليوم يعيد أحفادي المشهد نفسه… هذا المكان ذاكرة عائلية”، وزاد أن “أهمية عين فيتال تتجاوز جمالية المكان إلى أدوار بيئية واقتصادية، فهي مصدر حياة للنظام الإيكولوجي المحلي ومحرك أساسي لاقتصاد المدينة السياحي، ومياهها تغذي الغابة، والغابة تحميها، في توازن بديع صنعه الخالق”.

وتابع المتحدث ذاته بأن هذا التكامل يجعل حماية العين وتثمينها أولوية لضمان استدامة هذا الإرث الطبيعي، مبرزا أن “الوصول إلى عين فيتال رحلة قصيرة وممتعة، إذ إن الطريق المعبدة تخترق غابة الأرز في مشهد يخطف الأنفاس صيفا وشتاء”، مردفا: “في فصل الشتاء يكتسي الموقع حلة بيضاء تزيد الشلال سحرا، ليتحول إلى لوحة تجمع بين بياض الثلج وزرقة الماء واخضرار الأرز الدائم”.

الموقع مهيأ لاستقبال الزوار في أجواء عائلية آمنة، وفضاءات الجلوس الطبيعية، وظلال الأشجار الوارفة، وخرير الماء المتواصل، كلها عناصر تصنع تجربة استجمام متكاملة في هذا الموقع السياحي الطبيعي الإيكولوجي. هنا يلتقي المتقاعد الباحث عن السكينة والطالب الهارب من ضغط الامتحانات، والسائح الأجنبي المفتون بطبيعة المغرب.

وفي الإطار نفسه تصرح سارة، طالبة جامعية من الرباط: “أزور إفران كلما أحسست بالضغط، خاصة عين فيتال، مكاني المفضل للمراجعة والتأمل”، مضيفة أن “الهواء النقي وصوت الماء يساعدان على التركيز، والأجمل أن المكان مجاني ومتاح للجميع”.

وتابعت سارة، في تصريح لهسبريس، بأن “عين فيتال مدرسة مفتوحة في الهواء الطلق، خاصة لفئة الأطفال الذين يكتشفون دورة الماء من المنبع إلى الساقية، ويتعلمون أسماء الأشجار، ويصغون لحكايات الأجداد عن الغابة والماء”، مبرزة أن “زيارة واحدة كفيلة بغرس حب الطبيعة في نفوس الناشئة وتربيتهم على احترام البيئة”.

وما يميز “عين فيتال” هو طابعها العائلي والشعبي، فلا حواجز ولا تذاكر، لأن المكان ملك للجميع، يفتح ذراعيه للفقير والغني، للمحلي والسائح. هذه الديمقراطية في الاستمتاع بالجمال هي سر تعلق المغاربة بهذا الفضاء الذي صار جزءا من ذاكرتهم وتراثهم الأصيل.

“كل زائر يساهم بشكل غير مباشر في تحريك عجلة التنمية المحلية ودعم الاقتصاد التضامني”، يقول جون، سائح فرنسي يزور المغرب للمرة الثالثة حسب تصريحه، مضيفا: “زرت أماكن كثيرة في العالم، لكن عين فيتال لها سحر خاص، الناس هنا بسطاء وودودون، والماء بارد ونقي، والمنظر طبيعي مائة بالمائة. لا توجد أسوار ولا تعقيدات، فقط أنت والطبيعة. هذا ما نبحث عنه”.

ومن جهتها تكثف سلطات إقليم إفران مع شركائها جهودها المتواصلة لتأهيل الموقع وتثمينه، من خلال مشاريع تهيئة المسالك الخشبية، وإحداث مرافق صحية، وتشجير المحيط. كلها خطوات تروم الارتقاء بالتجربة السياحية مع الحفاظ على الطابع البيئي للمكان.

كما تروم هذه المشاريع تعزيز سياحة إيكولوجية مسؤولة، خاصة أن “عين فيتال” ليست وحدها، بل هي قلب شبكة من المسارات السياحية الغابوية، فمنها ينطلق عشاق المشي نحو “رأس الماء” و”ضاية عوا”، في رحلات تكشف غنى إقليم إفران الطبيعي.

ويعتبر الموقع نقطة بداية مثالية لاكتشاف الأطلس المتوسط بأكمله، من منابعه إلى بحيراته وغاباته. التفكير في زيارة “عين فيتال” يعني أن تصافح روح إفران: ماء لا ينضب، وخضرة لا تذبل، وكرم طبيعي لا ينتهي؛ وهي دعوة مفتوحة لكل من يبحث عن لحظة صدق مع الذات والطبيعة، ففي زمن السرعة مازالت “عين فيتال” تذكرنا بأن أجمل الأشياء في الحياة تنساب بهدوء.

The post "عين فيتال" في إفران .. مقصد سياحي طبيعي ينعش "سويسرا المغرب" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress