غَوصُ الشفَق في بحر القلق
لا تُعادل عندي متعة كتابة الشعر إِلَّا متعة "الكتابة عن الشعر": فيها الدخول إِلى أَسرار موهبة أُعجوبية، بين كلمة وأُختها، أَو بين حرف وبَديله، تَنقُل النص من نظْمٍ بليدٍ إِلى دهشة القصيدة..
هذا ما دفعَني من زمانٍ، ولا يزال، إِلى نُصرة القصيدة الكلاسيكية (عمُوديِّها أَو تدويريِّها) بالانتماء إِليها، وبتنبيه صاحبها إِلى خطَر وقوعه في الاختباء وراء البحر أَو الوزن أَو التفعيلة، لدَسّ كلماتٍ أَو عباراتٍ أَو التطريب في إِلقائها، وهذا هو الانحدار إِلى النظْم دون الشعر، وشَقْع أَبياتٍ باردةٍ لا يلتمع فيها بيتُ شعرٍ واحدٌ يستاهل الدخولَ إِلى حرَم الإِبداع، أَو يستحقُّ شرَفَ السُكنى في القصيدة.. وهنا متعة "الكتابة عن الشعر" وتبيانُ ما فيه من لُمَعٍ وعذوبة..
أَكتُب، وأَمامي جديدُ رشيد درباس "تمارينُ على بحر القلق" ("دار النهار"-120 صفحة).. يَضمُّ 32 قصيدة (أُولاها مشتَرَكة)، وفي معظمها "تمارينُ" عصيَّةٌ، طوَّعها الشاعر باعتماده أَرويةً صعبةً (ج، ض، ذ، ش، ط، ز، ...) وبحورًا مجْتَزَأُها شبْهُ مهجور، ليُطْلِع منها قصائدَ مضاءةً بصناعةٍ لا يأْتيها إِلَّا الماهرُ الصَنَاع، والشعر في جوهره صناعةُ الدهشة والمباغتة..
في "الكتابة عن الشعر" متعةُ فكِّ الأَسرار التي تَفوح بالمباغتة الجميلة.. منها تَزاوُجُ كلمَتَين غير مأْلوفٍ تَجاوُرُهما: "بحر القلق"، "وقود هواء"، "مقامات الحُرَق"، "جرودٌ تَتَأَنَّق"، "مراكب الشمس"، ... ومنها ضَمُّ محسوس إِلى غير محسوس": "نجوم المائدة"، "أَكفاني نصوصٌ خبَت"، "دبيبُ القَلَق"، "لونُ رونَق"، ...
من تلك المتعة أَيضًا، الكتابةُ عن الكتابة: "النص حمَّال رؤًى وبالرؤَى يعزَّزُ".. وهذا جوهرٌ آخرُ من أَسرار الشعر: فيضُ المعنى على "معنى المعنى" كما حدَّدَه جدُّنا عبدالقاهر الجرجاني ("دلائل الإِعجاز").. وهو ما أَلمح إِليه كاتبُ المقدِّمة البليغةِ الدلالاتِ عبدالكريم شنَينة بأَنَّ "رشيد درباس يُطلُّ علينا بوجدانيَّاتِ رجُلٍ في العقْد التاسع، بما تبَقَّى له من شغَفٍ يحاول أَن يقبض على ملامح طفولته...".. لكنَّ ذاك الــ"رجل في العقد التاسع" كان كتَب في "وصيَّته": "... فأَرجأْتُ الذَهابَ بزَعم أَنِّي لم أُكمِّلْ بعدُ أَبياتَ القصيدة"، فتولَدُ فيه طفولة متجدِّدة لا لمواصلة العمر بل لإِكمال القصيدة..