فؤاد العروي.. سحر اللغة وإشكالية التصور النخبوي للإنسان الكامل المعاصر

حينَ تسبقُ خِفَّةُ القَلم ثقلَ الفِكْرة

حديثي اليوم عن فؤاد العروي و”إنسانه الكامل”، ذلك الكائن الذي أطلّ من “عموده” خفيفًا، أنيقًا، عابرًا، وواثقًا من لمعانه؛ غير أنّ القضايا الفكرية لا تُختزل في رشاقة العبارة، ولا تُعالَج بروح من يملأ زاويةً صحفية قبل أن يدركه موعد النشر. أفترضُ أنّ الفكر الأكاديمي ليس في حاجة إلى “رجال كاملين” كما يتخيل فؤاد العروي، ولا إلى هذا “الكائن الموسوعي” الذي يبدو أقرب إلى تمثالٍ من الشمع منه إلى مثقفٍ حيّ؛ فالأكاديمية، في جوهرها، لا تُبنى على وهم الكمال الفردي، وإنما على تلاقي العقول التي تعرف حُدودها، فتتجاوزها بالحوار والمعرفة والتَّراكم. أما هذا التصور الذي أعلن عنه العروي، ذات رأي من آرائه العابرة، ففيه شيء من الاستعراض البلاغي أكثر مما فيه من العمق: كأن المؤسسة العريقة لا تكتمل إلا إذا دخلها أديبٌ يشرح الذَّرة صباحًا، ويحلّل القصيدة مساءً، ويصف الدَّواء قبل النَّوم.

والحقيقة أن مجد كل فكر أكاديمي ليس في استضافة “الإنسان الكامل”، وإنما في قدرته على جمع الاختصاصات، لا خلطها في كائنٍ واحد مُتورِّم بالرَّمزية. إنه فكرٌ أرفع من خيال فؤاد العروي المدرسي؛ ذلك أنه فضاء للعقل الجماعي لا لعبادة النماذج الخارقة. وعلى هذا “فالإنسان الكامل” كما يفقهُه فؤاد العروي ليس إنسانًا بقدر ما هو إعلان فاخر عن منتجٍ لم يصل بعد إلى الأسواق: أديبٌ بيَدٍ، وفيزيائي بالأخرى، يكتب قصيدة عن الذرّة، ثم يعالج السرطان بين فاصلتين، ويختم يومه بتأملٍ رشيق في مصير الحضارة. إنه كائنٌ نظيف أكثر مما ينبغي، متوازن أكثر مما يطاق، موسوعي إلى حدّ يثير الشفقة لا الإعجاب؛ لأن من يعرف كل شيء غالبًا لا يقيم في الواقع، وإنما في واجهة بلاغية مصقولة. والحقيقة أن هذا “الكمال” ليس سوى خوفٍ أنيق من “الإنسان العادي”: ذاك الذي يخطئ، يتخصَّص، يتعثّر، ويعرف أن العقل لا يكبر بتكديس الألقاب فوق كتفيه، وإنما بامتلاك الشجاعة للاعتراف بحُدوده. أما أن ننتظر من الفكر الأكاديمي أن يستقبل هذه الكائنات الخارقة (كما يتخيلها العروي)، فذلك يشبه انتظار أفلاطون ببطاقة عضوية، وابن سينا بنظارات مختبر، والمتنبي وهو يراجع مقالة علمية مُحكّمة. أدهشني، حقا، أنّ فُؤاد العَروي مرَّ على قضية فكريةّ على واجهة مقهى، يلْمح الفكرة من الزُّجاج ثم يكتب عنها كأنَّه أقام في أعماقها عمرًا كاملًا.

فقد كانت المسألة تستدعي حكمةً ورويّة، لا تلك الرشاقة الأسلوبية التي تُخفي أحيانًا فَقْر التَّأمل تحت معطفٍ أنيق من السُّخرية. وما حديثي هذا إلا وقفةٌ أولى أمام قلمٍ يبرع في الطيران، لكنه لا يُحسن دائمًا الهُبوط؛ وسيقودني ذلك، لا محالة، إلى حديثٍ آخر، لعلّه أكثر إشراقًا حين نميّز بين خفة العبارة وخفة الفكرة. وبين خفّة الكلام عند فؤاد العروي، تلك الخفّة التي تُطرب الأذن أكثر مما تُوقظ العقل، أجدني مدفوعًا إلى أن أصحب القارئ نحو حديثٍ لا يكتفي بأن يكون لطيف العُبور على اللسان، لعلّهُ يطمح إلى أن يترك في الذهن أثرًا، وفي السؤال امتدادًا، وفي التأمل فائدةً مرجوّة.

كائنٌ يعرفُ المجرّات ويجهلُ قَلبه

من هو ” الإنسان الكاملُ” أصلا؟ أهو ذلك الكائن الذي يحفظ أسماء المجرّات، ويتكلم عن انحناء الزَّمَكان، ثم يعجزُ عن الإصغاء لإنسان يجلس أمامه؟ أهو الذي يجمع النظريات والفلسفات واللغات في رأسه، ثم ينهار داخليًا أمام رأي صغير يخالفه؟ ولماذا يظهر هذا الإنسان دائمًا محاطًا بالألقاب، والميكروفونات، والندوات، والولائم الثقافية؟

العجيب أن دعاة الكمال غالبًا لا يطلبون تهذيب الإنسان، ولا يبحثون عن ترقية الرُّوح أو إصلاح المعنى؛ إنَّهم يفتّشون قبل كل شيء عن منصة مرتفعة، وعدسة قريبة، وجمهور مُستعد للتّصفيق. يتحدثون عن السموّ كأنهم وُكلاؤه الحَصْريون، ثم يقيسُون قيمَتهم بعدد النّظرات التي تُلاحقهم؛ كأن الكمال، في نسختهم الفاخرة، ليس فضيلة تُعاش في الصمت، وإنما عرض مسرحي طويل عنوانه: انظروا إليّ وأنا أعلّمكم التواضع؛ كأن “الإنسان الكامل” لم يعُد مشروعًا أخلاقيًا أو روحيًا، وإنما صار منتجًا ثقافيًا فاخرًا: نسخة محدودة من البشر، بواجهة معرفية لامعة، وتغليف لغوي أنيق، ونرجسية مصقولة بعناية. لا يخرج هذا الكائن العجيب إلى الوجود غالبًا إلا من خيال مُثقفين تعبوا من هشاشتهم، فصنعوا “إنسانًا كاملًا” على مقاسِ عجزهم، ثم عبَدُوه كما تُعبَد الفكرة حين تفشل في ملامسة الحياة. لا يخطئ، لا يتردد، لا يجهل، يتحدث في الفيزياء كما يتحدث في الشعر، يقتبس الفلسفة عند اللزوم، ويخرجُ من كلِّ جُملة كأنه عادَ لتوّه من مؤتمر دولي حول مصير الكوكب؛ إنه الإنسان الذي يعرف كل شيء تقريبًا، ويجهل نفسه غالبًا.

حين يَرتدي الغُرور مِعْطفَ المعْرفة

يعيدُ كلّ عصر تصنيع هذه الأسطورة على مزاجه. قديمًا ظهر “الإنسان الكامل” ناسكًا زاهدًا، ثم ظهر فيلسوفًا موسوعيًا، واليوم صار كائنًا هجينًا يحمل شهادة دكتوراه، وحسابًا متخمًا على لينكدإن، وصورة احترافية بالأبيض والأسود، وقدرة خارقة على قول أشياء عادية جدًا بلغة تجعلها تبدو كأنها اكتشاف كوني.

أما حين يتضخم الكمال، في خطابه، فلا ينتج إنسانًا أرقى، وإنما ينتج غالبًا غرورًا يرتدي بدلة فكرية. لا يصبح المرء أعمق لأنه أضاف مهارة جديدة إلى سيرته الذاتية، أحيانًا يصبح فقط أكثر امتلاءً بنفسه. لذلك لا ينقص بعض “الكَامِلين” شيء مما يُبهر الناس: ذكاء، ثقافة، بلاغة، حضور، ينقصهم فقط ما لا تصنعه الكتب ولا تمنحه المنابر: قلبٌ يعرف كيف يكون إنسانيًا حين لا يراه أحدٌ.

الدعوة إلى “الإنسان الكامل” في عمقها نرجسية ثقافية مُترفة؛ يمنح صاحبها شهادات الكمال كما يمنح موظف البروتوكول بطاقات الدعوة في حفلات النّخبة. لا تكمن المشكلة في الدفاع عن العلم ضد الأدب، فالعلم ضرورة عظيمة، بيد أن سلبية هذه الدعوة تكمن في الطريقة المتعالية التي تحوّل المعرفة إلى سلطة أخلاقية، وتحوّل العَالِم إلى كاهن جديد للحقيقة، وتترك الشاعر في زاوية القاعة مثل مُهرّج لغوي لم يلتحق بعد بعصر المختبر. يا لَلْعجب.

هوميروس يهْذي، شكسبير لا يسَاوي طالبَ علمِ نفس في سنته الثّانية، والشعراء أطفال يثرثرون في الظلام حتى يدخل صاحب المعادلة فيبدأ العقل. لا يكشف هذا الخطاب قوة العلم، وإنما يكشف عقدة قديمة عند بعض المتعلِّمين: الرغبة في تحويل المعرفة إلى امتياز طبقي، وإلى رُخصة للتَّعالي على الآخرين. ثم تأتي المفارقة الأشد طرافة: يسخرُ المُدّعي من لهجة عالم كبير، ثم يبدأ بعد ذلك في التبشير بالإنسان المنفتح على الكون والجمال والمعرفة. يا لهذا الاتساق المُدهش؛ إنسانٌ كامل، نعم، شرط أن يتحدث بلكْنة مصقولة، وألا يذكّرنا ببائعي السّمك أو الأسواق أو الناس العاديين. حتى التَّصوف، حين يدخل هذا الصالون، يتحول إلى إكسسوار راقٍ يزين الخطاب، لا إلى تجربة تهذّب النفس. الفكرة الأخطر هنا تكمن في تحويل الإنسان المثالي إلى “باقة مهارات” ثقافية: قليل من الفيزياء، قليل من الشعر، قليل من الفلسفة، قليل من الاقتباسات، كثير من الحضور الاجتماعي. كأن القيمة الإنسانية أصبحت مِلفًا احترافيًا مُتعدد الخَانات. يضعُ المرء مُعادلة في يدٍ، وديوان شعر في اليَد الأخرى، ثم يطلبُ من العَالَم أن يصفق لهذا التوازن العظيم.

ولادة السّوبرمان الثقافي

غير أن العَالِم لا يصبح أكثر حكمة لأن الفيزيائي يكتب قصائد عن النجوم، ولا لأن الروائي يحفظ مصطلحات ميكانيكا الكمِّ. هذا الهوس بدَمج كل شيء في كل شيء قد ينتج شخصية استعراضية تعرف القليل عن أشياء كثيرة، ولا تتقن شيئًا بعمق. المعرفة لا تساوي التراكم، والثقافة لا تعني جمع المراجع، والإنسان لا يكبر بمجرد أن يزحم رأسه بالمفاهيم. ثم إن الخلط بين المعرفة العلمية وفهم الإنسان خلط فادح. العلمُ يشرح كيف تتكوّن العاصفة، لكنه لا يشرح وحده لماذا يشعر إنسان بالوحدة تحت المطر. الفيزياء تقيس الضوء، لكنها لا تفسر وحدها لماذا تهز قصيدة قصيرة روح إنسان أكثر من ألف تجربة مخبرية. شكسبير لم ينافس علماء النفس، لقد فعل شيئًا آخر: عرّى النفس البشرية، كشف ارتباكها، فضح طمعها، خوفها، حبها، جنونها، هشاشتها. التصنيف لا يكفي دائمًا؛ أحيانًا تحتاج الروح إلى مرآة، لا إلى جدول قياس.

ما من شكّ أننا نعيش عصرًا يقيسُ كل شيء: نبض القلب، عدد الخطوات، ساعات النوم، السّعرات، الانتباه، الإنتاجية، المزاج، البيانات، العلاقات. ومع ذلك، لا نرى إنسانًا أكثر طمأنينة أو رحمة أو معنى. لقد قاس العالم كل شيء تقريبًا، ونسي أن يسأل: ماذا نفعل بكل هذه الأرقام إذا ظل القلب فارغًا؟ أما “معابدُ المعرفة” التي يكثر الحديث عنها، فهي في حالات كثيرة صالونات مغلقة تعيد إنتاج النخبة بلغة براقة وشعارات إنسانية فاخرة. يتحدث أهلها عن الانفتاح، ثم لا يعترفون إلا بمن يحمل ختم المؤسسة، وجائزة المؤسسة، ولهجة المؤسسة، وعلاقات المؤسّسة.

الحقيقة أبسط وأقسى: الإنسان لا يقترب من الكمال حين يجمع بين الفيزياء والشعر، وإنما حين يتحرر من وهم التفوق المعرفي. كم من عالم عبقري حمل روحًا ضيقة، وكم من شاعر فقير فهم الإنسان أكثر من لجان كاملة من الخبراء. المعرفة التي لا تزيد صاحبها تواضعًا تتحول إلى زينة ذهنية؛ والثقافة التي لا تجعل الإنسان أرحم تصير ديكورًا فاخرًا فوق خراب داخلي.

من هنا يبدو “الإنسان الكامل” وفق هذا التصور كائنًا يستطيع أن يشرح نظرية النشوء والارتقاء صباحًا، ويكتب قصيدة رديئة مساءً، ثم يلتقط صورة تذكارية بينهما داخل صالون أنيق. كأن البشرية، بعد آلاف السنين من الدين والفلسفة والفن والحروب والمآسي، اكتشفت أخيرًا أن الخلاص يكمن في شخص يرتدي بدلة مخبرية تحت عباءة شاعر. لا بأس. العصر يحب هذا النوع من السوبرمان الثقافي متعدد الاستعمالات: نصفه باحث، نصفه شاعر، ورُبعه نرجسية. يتحدث عن التواضع الكوني وهو يلمّع سيرته الذاتية. يهاجم النخب من داخل أفخم قاعات النخبة الجديدة. أما الإنسان الحقيقي، ذاك الذي لا يعرف فيزياء الكَمِّ، ولا يكتب السُّونيتات، ولا يملك صفحة لامعة على لينكدإن، لكنه يملك قلبًا سليمًا، وعقلًا حرًا، وذوقًا صادقًا، فلا يجد مكانًا في جمهورية الكمال هذه. لا يملك أوسمة كافية. لا يملك اقتباسات كافية. لا يملك المصطلحات التي تمنح ضعفه شكلًا فاخرًا.

لماذا يظهر “الإنسان الكامل” دائمًا في الأماكن التي تلمع فيها الألقاب أكثر مما تلمع فيها الأرواح؟ لماذا يحتاج كماله إلى جمهور، ومنبر، وتصفيق، ولغة منتفخة كي يثبت وجوده؟ هل الكمال فضيلة صامتة يعيشها الإنسان، أم بطاقة تعريف فاخرة يعلّقها على صدره كلما دخل صالونًا ثقافيًا؟

ربما يقترب الإنسان من الاكتمال حين يعترف بنقصه، لا حين يغطّيه بالمعرفة. وربما يفهم الهشاشة مَن عاشها، لا مَن شرحها في محاضرةٍ. وإذا جرّدنا “الإنسان الكامل” من ألقابه الرنّانة، واقتباساته المستعارة، وهيبته المعلّبة، فلن نجد غالبًا سوى إنسانٍ عاديٍّ إلى حدّ الإحراج، يخاف أن يراه الناس كما هو، فيُلبِس عاديّتَه اسمًا فخمًا، لا يفتح طريقًا ولا يشقّ أفقًا، وإنما يثير شيئًا واحدًا فقط: الغُبَار.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

The post فؤاد العروي.. سحر اللغة وإشكالية التصور النخبوي للإنسان الكامل المعاصر appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress