"فلسطين 36" يبدأ عروضه في لبنان... الثورة ذاكرة سينمائية حيّة
بدأ فيلم "فلسطين 36" رحلته في صالات العرض اللبنانية من سينما متروبوليس في بيروت مساء الخميس، في أمسية بدت أقرب إلى احتفاء جماعي بفكرة السينما نفسها بوصفها أرشيفاً حيّاً لشعبٍ ما زال يحاول الدفاع عن روايته في وجه المحو.
دشّنت الأمسية، برعاية ودعم الدكتور باسل دلّول ومؤسسة دلّول للفنون (DAF)، عرض أحد أكثر الأفلام الفلسطينية طموحاً في السنوات الأخيرة داخل عدد من صالات بيروت، من "متروبوليس" إلى "سينما سيتي" و"ڤوكس سينما"، في لحظة عربية تبدو فيها العودة إلى التاريخ الفلسطيني ضرورة سياسية وثقافية وأخلاقية معاً.

تستعيد المخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر في الفيلم أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، تلك الانتفاضة الشعبية الواسعة ضدّ الاستعمار البريطاني والاستيطان الإسرائيلي، والتي يعتبرها مؤرخون كثيرون التأسيس الفعلي للوعي الوطني الفلسطيني الحديث. غير أنّ جاسر لا تتعامل مع الحدث كوثيقة جامدة أو درس تاريخي مباشر، وإنّما كحياة كاملة تتشكّل تحت الضغط: بشر يحبّون ويخافون ويخسرون وينتظرون، فيما يتغيّر العالم من حولهم بعنف متصاعد.
هنا تحديداً تكمن قوة الفيلم؛ إذ يبتعد "فلسطين 36" عن الخطابة أو الشعارات الثقيلة، ويقترب من الثورة بوصفها تجربة إنسانية يومية. المقاومة في الفيلم ليست صورة بطولية صاخبة بقدر ما هي تراكم بطيء للألم والغضب والوعي. شخصياته هشّة، متعبة، وعالقة بين الحب والخسارة والمنفى الداخلي. وهذا ما يمنح العمل حساسيته الخاصة، ويجعله أقرب إلى سينما الذاكرة منه إلى الأفلام التاريخية التقليدية.

بصرياً، يقدّم الفيلم عالماً مشبعاً بالتفاصيل الطبيعية والضوء والتراب والملامح الريفية الفلسطينية. تحاول الكاميرا إنقاذ المكان من الاختفاء، أو تثبيت صورته قبل أن يبتلعه الخراب. هذا الاشتغال على الصورة ليس جديداً في تجربة آن ماري جاسر، التي عُرفت منذ أفلامها السابقة مثل "لما شفتك" (2012) و"واجب" (2017) بقدرتها على المزج بين السياسي والحميمي، وبين السرد الوطني والتفاصيل الشخصية الصغيرة.
من جهته، أكّد الدكتور باسل دلّول أنّ "دعم أعمال سينمائية مثل (فلسطين 36) يأتي ضمن التزامنا بالحفاظ على الإرث الثقافي العربي وتعزيزه عبر الفن والسينما"، معتبراً أنّ "هذا الفيلم يشكّل إنجازاً فنياً مهماً يستحق أن يصل إلى الجمهور في لبنان وخارجه".

وفي حديثها عن الفيلم، قالت جاسر في فيديو مصوّر إنّ السينما تمتلك "قدرة استثنائية على حفظ الذاكرة وفتح حوار بين الأجيال"، موضحة أنّ العمل يتناول "انتفاضة كبرى انطلقت من حياة الناس العاديين". هذا التصوّر ينعكس بوضوح على بنية الفيلم نفسها، التي تبتعد عن مركزية الزعيم أو البطل الواحد، لتُعيد كتابة التاريخ من الأسفل، من الناس الذين عاشوا التحوّل لا من الذين دوّنوه فقط.

كما يحمل عرض الفيلم في بيروت دلالة إضافية. فالعاصمة اللبنانية، المرتبطة تاريخياً بالقضية الفلسطينية ثقافياً وسياسياً، تبدو هنا مساحة لاستعادة سردية عربية مشتركة عبر الفن، لا عبر الخطاب السياسي وحده. ومن هذا المنطلق، يأتي دعم الدكتور باسل دلّول ومؤسسة DAF كامتداد لدور ثقافي أوسع يربط بين حفظ الذاكرة البصرية العربية ودعم الإنتاج الفني القادر على مساءلة التاريخ وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة.
العرض الأوّل جمع شخصيات سياسية وثقافية وإعلامية بارزة، من بينها نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، ووزيرة السياحة لورا الخازن لحود، ورئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، إلى جانب ديبلوماسيين وفنانين ومهتمّين بالسينما والفنون.