فلسطين: البكالوريا التي لم تهزمها الصواريخ…

انطلقت يوم السبت 20 جوان امتحانات الثانوية العامة الفلسطينية (البكالوريا) في وقت واحد بالضفة الغربية وقطاع غزة وعبر 46 دولة، حيث توجد جالية فلسطينية في المهجر، في رمزية عالية عن وحدة الشعب الفلسطيني وإصراره على المقاومة.
تجرى الامتحانات في الضفة الغربية وعبر السفارات حضوريا، أما في قطاع غزة فعن طريق منصة Wise School الالكترونية. فالاحتلال لم يترك مدرسة ولا ثانوية ولا جامعة بغزة إلا وحطّمها أو أخرجها عن الخدمة، والقلة القليلة من البنايات التي صَمدت أمام ضربات الصواريخ الصهيونية (نحو 10%) تَحوَّلت إلى ملاجئ للنازحين، أي أن غزة تُصر اليوم على إجراء امتحاناتها كبقية الشعب الفلسطيني وإن لم تكن بها منشآت، وإن استشهد أكثر من 1048 من طاقمها التعليمي (معلمين ومعلمات)، وأكثر من 20,480 طالباً وطالبة (موزعين بين طلبة المدارس وطلبة الجامعات)، في صورة فريدة من نوعها على إصرار شعب على جعل التعليم رمزا للمقاومة، ووحدة الامتحانات رمزا لوحدة الشعب… ولا تقل الضفة الغربية شأنا في هذا الجانب من المقاومة، إذ يواجه الطاقم التعليمي هو الآخر القتل الممنهج (استشهاد 167 طالباً، 128 من طلبة المدارس و39 من طلبة الجامعات) و6 معلمين، وتتعرض المنظومة التعليمية بكاملها إلى حصار شديد، حيث تُمنع البرامج التعليمية من أن تكون أصيلة بحجة أنها متطرفة، ويحارب المعلم الفلسطيني في قوت يومه بمنعه من الحصول على راتبه بانتظام أو تقليصه إلى الحد الأدنى من خلال الضغط على موارد السلطة في رام الله، ومنعه عنه تماما في قطاع غزة!
ومع ذلك تمكن 51 ألف طالب من إجراء الامتحان في الضفة الغربية و35500 من إجرائه في قطاع غزة و2200 في المهجر! هل يوجد تحد أكثر من هذا لدولة تواجه أشد أنواع الاحتلال فتكا وعنصرية عبر التاريخ؟
إن مثل هذا الصمود الفريد من نوعه في قطاع التعليم يُبيِّن لنا أن مفهوم المقاومة يتجاوز السلاح ووسائل الكفاح التقليدية المعروفة إلى ما هو أعمق وغير قابل للهزيمة: المعرفة والوعي بأهميتها. ولو أن الأسرى كانت لهم ذات الحقوق المتعارف عليها عالميا لعزَّزوا هذا الموقف بمشاركتهم في الامتحانات وهم في الأسر ولَحصلوا على أعلى الشهادات. وهذا ليس ببعيد عنهم وقد ألَّف بعضهم الكتب وتعلم اللغات وتمكن من معارف يصعب لمن لديه الوسائل التَّمكن منها.
وهنا تكمن عبقرية الشعب الفلسطيني، وهناك يكمن أمله في الانتصار على عدوه المحتل.
بهذه المقاومة في المجال التعليمي، وهذه الوحدة الزمانية والمكانية لامتحان يشارك فيه الآلاف من الشعب الفلسطيني، يتأكد لنا أن الاحتلال لا يمكنه الانتصار على شعب متعلم. التلميذ الذي يجري اختباراته فوق ركام منزله أو على كرسي مقهى أو بداخل خيمة يصعب البقاء فيها لمدة طويلة… والمُعلم الذي يُدرِّس تلامذته بأدنى الإمكانات في زاوية من مبنى منهار أو تحت خيمة غير قادرة على الصمود.. والطالب الذي يحمل الكتاب بيد والبندقية بيد… لا يمكن أبدا هزيمتهم بالصواريخ والطائرات والمدفعية…
لقد أبدع الفلسطينيون في المقاومة بهذا الشكل، وأبدعوا في الوحدة بهذا الشكل، وكذلك في تنظيم مثل هذه الاختبارات وتوفير الشروط الموضوعية لنجاحها إن بالتنظيم المباشر أو بالتحكم في التكنولوجيا رغم ضعف الإمكانات والوسائل وعلى رأسها شبكات الاتصال والكهرباء، وليس لإبداعهم هذا سوى جزاء واحد الانتصار على عدوهم الظالم الذي لم يترك وسيلة إلا واستخدمها لإبادتهم. فهنيئا لإخواننا المعلمين ولأبنائنا التلاميذ وكل من أشرف على تنظيم هذا الامتحان من قريب أو من بعيد وأسهم في إنجاحه… إنه أكبر دليل على حيوية شعب وإصراره على البقاء والانتصار وإقامة دولته المستقلة على أرضه الطاهرة، اليوم في ظل الاحتلال وغدا عندما يتحقق الانتصار الكامل بإذن الله.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post فلسطين: البكالوريا التي لم تهزمها الصواريخ… appeared first on الشروق أونلاين.