في "اختبار مضيق هرمز"... كيف حمت "المصدّات المالية" اقتصادات الخليج؟
كان مجرد التهديد باضطراب الملاحة في ممر بحريّ لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات كافياً لإرباك أسواق تمتدّ من آسيا إلى أوروبا. مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية وما يقارب خُمْس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، عاد مع الحرب الأخيرة في المنطقة إلى قلب القلق الاقتصادي العالمي. لم يعد مجرد ممرّ جغرافيّ حسّاس، بل نقطة اختناق قادرة على التأثير في أسعار الطاقة والنقل والتجارة وسلاسل الإمداد في العالم بأسره.
الأسواق تحرّكت بسرعة. أسعار الوقود ارتفعت، وتكلفة الشحن والتأمين قفزت، فيما حذّرت شركات الطاقة من اضطرابات قد تمتدّ آثارها حتى عام 2027 إذا طال تعطيل التدفقات. وتشير تقديرات نقلتها وكالة "رويترز" إلى أن أسعار الوقود ارتفعت بنحو 30 في المئة، وأسعار الأسمدة بنحو 50 في المئة، فيما ازدادت تكلفة النقل الجوي بنحو 25 في المئة. ذلك كلّه بفعل اضطرابات الملاحة والطاقة.
ومع ذلك، لم تتعرض اقتصادات الخليج العربي نفسها إلى الانهيار أو الارتباك المالي الحادّ الذي كان مراقبون دوليون يتخوفون من أن ينعكس، على الأقل، في التصنيفات الائتمانية والاستقرار المالي. لقد حافظت معظم الاقتصادات الخليجية الكبرى على تصنيفات أو آفاق مستقرّة لدى وكالات التصنيف الكبرى، مثل "موديز" و"فيتش" و"ستاندرد أند بورز"، وإن بدرجات متفاوتة. ولو حدثت أزمة مشابهة قبل عقدين من الزمن أو ثلاثة، لكان المشهد مختلفاً على الأرجح.
لا يعني استقرار التصنيفات أن القلق غاب. شهدت الأسواق المالية تقلّبات واضحة، وارتفعت تكلفة التأمين والشحن، فيما أصبحت الشركات والمستثمرون أكثر حذراً في التعامل مع المخاطر الإقليمية. لكن وكالات التصنيف كانت تنظر إلى ما هو أبعد من تقلّبات الأسواق اليومية: إلى قدرة الدول الخليجية على امتصاص الصدمة مالياً ولوجستياً.

هنا ظهرت بوضوح أهمية ما يمكن تسميته بـ"المصدّات المالية" الخليجية. هذه المصدّات لم تعد مجرّد احتياطيات نقدية، بل شبكة أوسع تضم الصناديق السيادية، والأصول الأجنبية، وخيارات التصدير البديلة، والبنية التحتية المتطورة، والقطاعات غير النفطية، والموانئ، والخدمات اللوجستية. لقد رفعت الأزمة نفسها أسعار الطاقة، ما وفّر دخلاً إضافياً للبلدان المصدّرة؛ ذلك أن الحرب التي هدّدت تدفّق النفط ساهمت، في الوقت نفسه، في ازدياد قيمة الصادرات النفطية.
بدت دولة الإمارات العربية المتحدة بين البلدان الأكثر استعداداً لامتصاص الصدمة. لقد أبقت "فيتش" تصنيف الدولة عند AA-، إذ تستند أبو ظبي إلى صافي أصول أجنبية سيادية يُقدَّر بنحو 164 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق أرقام عام 2025. كذلك منح خط أنابيب "أبو ظبي - الفجيرة"، الذي تراوح طاقته ما بين نحو 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، نفط الإمارات منفذاً استراتيجياً خارج مضيق هرمز، ما خفّف جزءاً مهمّاً من مخاطر الملاحة داخل الخليج.
لكن قوة الإمارات لا ترتبط بالنفط وحده. الاقتصاد الإماراتي اليوم أكثر تنوعاً بكثير مما كان عليه في السابق، مع مساهمة كبيرة لقطاعات السياحة والطيران والخدمات المالية والتكنولوجيا والعقارات والتجارة. لقد تجاوزت التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات الـ 800 مليار دولار في السنوات الأخيرة، فيما تحوّلت البلاد إلى مركز إقليمي لإدارة الأعمال والخدمات اللوجستية والشركات العالمية.

المملكة العربية السعودية دخلت الأزمة هي الأخرى من موقع مختلف عمّا كانت عليه في السابق. إضافة إلى امتلاك المملكة أكبر اقتصاد عربيّ يقترب حجمه من 1.1 تريليون دولار. طوّرت الرياض شبكة تصدير تقلل اعتمادها الكامل على مضيق هرمز، عبر خط أنابيب "شرق غرب" الممتد إلى البحر الأحمر، والذي تصل طاقته القصوى إلى نحو سبعة ملايين برميل نفط يومياً، منها قرابة خمسة ملايين برميل يومياً متاحة للتصدير.
هذا العامل اللوجستي أدى دوراً أساسياً في نظرة وكالات التصنيف إلى قدرة المملكة على التعامل مع الاضطرابات الحالية. لقد أبقت "موديز" التصنيف السيادي السعودي عند Aa3 مع نظرة مستقرة. كذلك تستفيد المملكة من احتياطيات مالية ضخمة وصندوق سيادي يدير استثمارات تتجاوز مئات المليارات من الدولارات داخل البلاد وخارجها، إلى جانب استمرار توسع القطاعات غير النفطية من ضمن "رؤية 2030"، من الصناعة والتعدين إلى السياحة والترفيه والتكنولوجيا والطاقة المتجددة. والأهم ربما أن السعودية لم تعد تحاول تقليل الاعتماد على النفط فقط، بل أصبحت كذلك أكثر قدرة على إدارة المخاطر المحيطة بقطاع النفط نفسه.
أما دولة قطر، فعلى الرغم من احتفاظها بتصنيف ائتماني مرتفع من قبل "موديز" عند Aa2، فإن موقعها يبدو أكثر حساسية في أزمة مضيق هرمز. معظم صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، التي تجعل الدوحة من أبرز البلدان المصدّرة للمادة على سطح الكوكب، بحصة تقارب خُمْس التجارة العالمية، تمرّ عبر المضيق، ما يجعل أيّ تعطيل بعيد الأجل أكثر أثراً في اقتصاد قطر مقارنة ببعض جاراتها.
لكن الدوحة تمتلك، في المقابل، واحداً من أعلى مستويات الدخل الفردي عالمياً، وصندوقاً سيادياً ضخماً يدير أصولاً بمئات المليارات من الدولارات. كذلك، تمنحها احتياطياتها المالية وفوائضها الخارجية هامش حماية مهماً، إلى جانب اقتصاد خدمات متطور نسبياً مدعوم بالبنية التحتية التي أُنشِئت قبل استضافة البلاد كأس العالم لعام 2022، وبقطاعي الطيران والسياحة والاستثمار.
دولة الكويت احتفظت أيضاً بتصنيف قويّ نسبياً عند A1، مستندة إلى واحدة من أكبر القواعد المالية السيادية في العالم مقارنة بحجم اقتصادها. وتشير تقديرات "موديز" – الجهة المصنِّفة – إلى أن الأصول الحكومية الكويتية تعادل نحو خمسة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى استثنائيّ عالمياً. لكن الكويت تبقى، في المقابل، من أكثر الاقتصادات الخليجية اعتماداً على العوائد النفطية في المالية العامة، في حين تبدو وتيرة الإصلاح والتنويع الاقتصاديّين فيها أبطأ مقارنة بالسعودية أو الإمارات. ومع ذلك، تبقى ضخامة الأصول السيادية عامل حماية أساسياً بنظر وكالات التصنيف والمستثمرين.
في مملكة البحرين، تبدو الصورة أكثر هشاشة نسبياً. تمتلك المنامة قطاعاً مصرفياً ومالياً مهماً وتاريخاً طويلاً كمركز مالي إقليمي، لكنها تواجه في الوقت نفسه مستويات دين مرتفعة وموارد نفطية أقلّ وحيّزاً مالياً أضيق من بقية بلدان الخليج الكبرى. وعلى الرغم من أن "ستاندرد أند بورز" أبقت تصنيف البحرين عند B/B مع نظرة مستقرة، خفضت "موديز" النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية بسبب تداعيات الحرب واضطرابات الشحن والطاقة. لكن البحرين تعتمد في الملمّات على حاضنة مجلس التعاون الخليجي ما يوفّر لها مصدَّ حماية استثنائياً.
أما سلطنة عُمان، فبدت خلال الأزمة في موقع وسط بين الاقتصادات الخليجية الكبرى والأكثر هشاشة. استفادت مسقط خلال السنوات الأخيرة من إصلاحات مالية ساعدت في خفض مستويات الدين وتحسين أوضاع العجز، ما انعكس في رفع "فيتش" تصنيفها إلى BBB- مع نظرة مستقرة في أواخر عام 2025، أي إلى درجة استثمارية، وتمسك الوكالة بهذا التصنيف نفسه. كذلك يمنحها موقعها الجغرافي خارج مضيق هرمز ميزة استراتيجية مهمة. كذلك، تراهن السلطنة في صورة متزايدة على الخدمات اللوجستية والصناعة والسياحة والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، من ضمن مساعيها لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.
في العمق، كشفت أزمة مضيق هرمز تحوّلاً مهماً في طبيعة القوة الاقتصادية الخليجية. قبل سنوات، كان يُنظَر إلى المنطقة أساساً بوصفها خزّاناً للطاقة يعتمد على تصدير النفط الخام. أما اليوم، فالصورة أكثر تعقيداً. هناك صناديق سيادية خليجية تقترب أصولها مجتمعة من خمسة تريليونات دولار، ومصارف قوية تتجاوز أصولها الـ 3.9 تريليونات دولار، واستثمارات عالمية، ومراكز لوجستية، وخطوط أنابيب بديلة، وموانئ حديثة، واحتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية. حتى مفهوم "الأمن الاقتصادي" نفسه تغيّر في الخليج. لم يعد مقتصراً على حماية حقول النفط، بل بات يشمل حماية سلاسل الإمداد، وتنويع طرق التصدير، وبناء فوائض مالية، وتطوير قطاعات غير نفطية قادرة على تخفيف أثر الصدمات.
وربما كشفت الأزمة أيضاً حقيقة أخرى لا تقل أهمية: لم يستطع العالم حتى اليوم تقليل اعتماده على الخليج كما كان يخطط. على الرغم من الحديث المتزايد عن التحوّل الأخضر والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة، بقي مجرد التهديد باضطراب الملاحة في مضيق هرمز كافياً لإرباك الاقتصاد العالمي ورفع أسعار الطاقة والنقل والتأمين. وبحسب تقدير متشائم نقلته "رويترز"، قد تنتظر العودة الكاملة لتدفقات الطاقة الطبيعية عبر المضيق الفصل الأول أو الثاني من عام 2027، حتى لو توقفت الحرب نهائياً في وقت قريب.
لكن ما بدا واضحاً خلال الأزمة هو أن الخليج لم يعد يتعامل مع الصدمات بالطريقة نفسها كما كان يفعل في الماضي. الفوائض المالية الضخمة، والصناديق السيادية، والبنية التحتية الجديدة، وخيارات التصدير البديلة، كلها تحوّلت إلى خطوط دفاع اقتصادية حقيقية، وإن بدرجات متفاوتة بين بلد وآخر. وربما تكمن المفارقة الأهم في أن الخليج، الذي بنى ثروته أساساً على بيع النفط، يستخدم اليوم عوائد هذه الثروة لبناء اقتصاد أكثر قدرة على تحمل عالم تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية والتجارية والمالية.
أزمة مضيق هرمز لم تُنهِ المخاوف، لكنها أظهرت شيئاً آخر: اقتصادات الخليج لم تعد مجرد اقتصادات نفطية تقليدية تخضع بالكامل إلى تقلبات السوق والممرات البحرية، بل أصبحت تملك، بدرجات متفاوتة، أدوات مالية ولوجستية وسيادية تسمح لها بامتصاص الصدمات في صورة أفضل بكثير مما كانت عليه الحال قبل عقود.