في البندقية... الفنّ يتكلّم باسم العالم
غدي عازار
ثمّة طاقة آسرة في البندقية. قبل وصول الجمهور، تبدو المدينة معلّقة بين الصمت والمشهدية: عالم الفنّ يتحرّك من الأجنحة إلى القصور، ومن المعارض إلى الأحاديث الخاصة.
يُوصَف البينالي على نطاق واسع بأنّه "أولمبياد عالم الفنّ"، إذ يجمع دولاً وفنانين وقيّمين فنّيين وجامعي أعمال فنية ومؤسسات وأصواتاً ثقافية من مختلف أنحاء العالم. ومنذ تأسيسه عام 1895، ما زال يُعدّ إحدى أهم المنصّات للفنّ والنفوذ الثقافي. وخلف جمال الأجنحة وفخامة القصور، تتحوّل البندقية إلى مسرح تكشف فيه الثقافات المختلفة كيف تريد أن تُرى.

اختارت الدورة الحادية والستون هذا العام، بعنوان "المفاتيح الصغرى" (In Minor Keys)، والتي أشرفت عليها القيّمة الفنية الراحلة كايو كوو، نبرة عاطفية أكثر هدوءاً؛ استعراضاً أقلّ، وإحساساً أكثر؛ تصريحات أقلّ، وإصغاء أكثر. بدا الأمر كدعوة للعودة إلى ما هو جوهري: الذاكرة، والانتماء، والهشاشة، والروحانية، والقدرة على الصمود، والقيم التي تربطنا كبشر.
في البندقية، عكس الفنّ العالم الذي نعيش فيه. وعلى مدى أيام قليلة، وبين الأرسينالي والجيارديني والقصور والافتتاحات الخاصة، بدا كل لقاء وكل دعوة وكأنهما يكشفان شيئاً عن لحظتنا الراهنة.

لبنان: حاضر ومتوهّج
كان للحضور اللبناني في البندقية وقع خاص بالنسبة إليّ. في هذه اللحظة تحديداً، كان لذلك معنى. ففي الجناح اللبناني، مثّل نبيل نحاس لبنان من خلال معرض Don’t Get Me Wrong، بإشراف القيّمة الفنية ندى غندور. تجمع أعماله بين الطبيعة والهندسة والأشكال الكونية، وتعكس لبنان بوصفه أرضاً للجمال والقدرة على الصمود.
كما كان لبنان حاضراً خارج الجناح أيضاً عبر اللغة البوب-ثقافية لرائد ياسين، والتواريخ المُشيَّدة لدى وليد رعد، والطبيعة الحركية عند هالة شقير، والأنوثة الرمزية في أعمال منى ربيز.

ومن الأسماء اللبنانية الأخرى الحاضرة في البندقية جوانا حاجي توما وخليل جريج، اللذان استكشفا الأرض والذاكرة، إضافة إلى خالد سبسبي، الفنان الأسترالي من أصل لبناني، الحاضر في الجناح الأسترالي وفي المعرض الرئيسي.
معاً، كشف هؤلاء الفنانون اتّساع الموهبة اللبنانية، واضعين لبنان، بكل تعقيداته، على الساحة الثقافية الدولية.

أصوات عربية وأفريقية
كان الحضور العربي هذا العام قوياً وأكثر وضوحاً داخل الحوار الثقافي العالمي. فقد استكشفت السعودية، التي مثّلتها دانا عورتاني، مفاهيم التراث والفقدان والذاكرة الثقافية، فيما عكس جناح الإمارات "وشوشة"، بإشراف القيّمة الفنية بانا قطّان، تأمّلات في الصوت واللغة والهجرة والتواريخ الشفوية.
في البندقية، قدّم كلّ من لبنان وقطر وعُمان وسوريا ومصر وفلسطين والمغرب صورة لعالم عربي لم يعد على الهامش، بل بات يشارك بفاعلية في تشكيل الحوار الثقافي.

كما برزت الأصوات الأفريقية بدورها، من لبينة حميد في الجناح البريطاني إلى أماوكو بوافو في قصر غريماني، في تأكيد على أنّ الفنّ الأفريقي لم يعد على الأطراف، بل بات يعيد تشكيل الحوار العالمي بصورة فاعلة. واليوم، يزداد الاعتراف به من قبل المتاحف والمعارض وجامعي الأعمال الفنية والقيّمين الفنيين بوصفه قوة مركزية في الثقافة المعاصرة.
ما بعد البينالي
كانت البندقية تنبض أيضاً بالمعارض الموازية. ففي Ca’ Pesaro، استكشفت جيني سافيل الجسد البشري بذلك الحضور الجسدي الخام الذي يميّز أعمالها. وفي Tommaso Calabro Gallery، تناول معرض See You البورتريه بوصفه ذاكرة وهوية وحضوراً، جامعاً أعمالاً تاريخية ومعاصرة ضمن فضاء فنيسي حميم.

ومن اللحظات اللافتة أيضاً عمل Il Gesto للفنان JR، الذي قدّمته “بيروتان” على واجهة Palazzo Ca’ da Mosto، بوصفه إعادة قراءة معاصرة للوحة The Wedding at Cana لباولو فيرونيزي، حيث حوّل تحفة عصر النهضة إلى فعل عامّ قوي.
وقدّمت "مؤسسة فينتشنزو دي كوتييس"، بالتعاون مع لورنس فان هاغن من LVH Art، معرض Archaeology of Consciousness Venice في Palazzo Giustinian Lolin، في حوار راقٍ بين التراث الفينيسي، ولغة الرخام لدى دي كوتييس، والنظرة القيّمية الدقيقة والبسيطة لفان هاغن.

وقبيل الافتتاح التمهيدي مباشرة، افتتحت "مؤسسة دريس فان نوتن" في Palazzo Pisani Moretta معرض The Only True Protest Is Beauty، جامعاً الفنّ والأزياء والتصميم والأغراض الحرفية والصناعات اليدوية، ليؤكّد أنّ الجمال ليس شكلاً من أشكال الهروب، بل قوة هادئة من قوى المقاومة.
أما "مجموعة بيغي غوغنهايم"، فقد قدّمت عودة إلى روّاد الحداثة والأسس التي ما زالت تشكّل الفنّ حتى اليوم، فيما تبقى بيغي نفسها رمزاً قوياً لامرأة آمنت برؤيتها الخاصة، ودعمت الفنانين قبل عصرهم، وألهمت أجيالاً كاملة عبر الثقافة.

كشفت هذه المعارض عن البندقية في كامل بهائها الثقافي: مدينة يلتقي فيها الماضي والمستقبل، والحرفة والفنّ، والتراث والرؤية المعاصرة باستمرار.
كلمة أخيرة
بينالي البندقية ساحر وفخم بطبيعة الحال: قصور، وافتتاحات، وعشاءات، ودعوات، وقوارب تعبر البحيرة. لكن، خلف هذا الجمال، يكشف كيف يتّخذ الفنّ موقفاً، وينقل ما هو جوهري، ويتفاعل بصورة مباشرة مع العالم الذي نعيش فيه.

ومن خلال أصوات الفنانين، يصبح الفنّ غير منفصل عن التاريخ والهوية والذاكرة والسياسة. فهو يساعدنا على فهم العالم، ويُظهر لنا أين نقف، ويذكّرنا لماذا نحتاج إليه.
وبالنسبة إلى لبنان، لهذا الأمر أهمية خاصة. فلبنان، الذي غالباً ما يُعرَّف عبر الأزمات، يظهر في البندقية من خلال الإبداع والفكر والحضور الثقافي؛ حضور هادئ، لكن بصوت واضح.
إنّ بينالي البندقية تجربة تبقى معك طويلاً، حتى بعد المغادرة.