في ظلّ أزمة هرمز... فرصة إماراتية لحماية بيانات العالم
على مدى عقود، ارتبط اسم مضيق هرمز بالطاقة. فكلما ارتفعت حدة التوتر في منطقتنا، عاد الحديث تلقائياً إلى ناقلات النفط والممرات البحرية وتأثير أي اضطراب فيها على الأسواق العالمية. وهو أمر مفهوم، إذ قلّما يوجد ممر مائي يضاهي مضيق هرمز أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
إلا أن التطورات الأخيرة كشفت جانباً آخر أقل ظهوراً، لكنه يزداد أهمية يوماً بعد يوم؛ جانباً لا يطفو على سطح المياه، بل يمتد في أعماقها.
رسوم على الكابلات البحرية؟
ففي الأشهر الماضية، ومع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الحديث عن احتمال اتساع رقعة المواجهة مع إيران، بدأت وسائل إعلام إيرانية تتناول الكابلات البحرية التي تعبر المضيق. وتحدّث بعضها عن إمكان فرض رسوم على هذه الكابلات، فيما لمّح بعضها الآخر إلى إمكان استخدامها كورقة ضغط جيوسياسية. وسواء كانت هذه التصريحات تعكس توجهاً فعلياً أم هي مجرد رسائل سياسية، فإن ذلك ليس جوهر المسألة. الأهم أنها سلطت الضوء على هشاشة استراتيجية لا تحظى حتى الآن بالاهتمام الذي تستحقه.
نحن نتحدث كثيراً عن أمن الطاقة، لكن الوقت حان لأن نتحدث أيضاً عن أمن البيانات. فالاقتصاد العالمي بات قائماً على الاثنين معاً.
أكثر من 95 في المئة من حركة البيانات العابرة للقارات تمر عبر الكابلات البحرية. فكل معاملة مالية دولية، وكل خدمة سحابية، وكل منصة تجارة إلكترونية كبرى، وجزء متزايد من البنية التحتية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، يعتمد على هذه الشبكات الممتدة تحت البحار. ورغم أنها تبقى بعيدة عن الأنظار، فإنها تمثل إحدى أهم ركائز الاقتصاد الرقمي العالمي.
ومع تسارع التحول الرقمي، بدأت هذه الكابلات تؤدي دوراً يشبه إلى حد كبير الدور الذي أدته خطوط أنابيب النفط والغاز في العقود الماضية. فموثوقيتها لم تعد مسألة تقنية فحسب، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
موقع فريد للإمارات
وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن تعزيز متانة هذه الشبكات في منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الجيوسياسة بصورة دائمة؟
في تقديري، تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة موقعاً فريداً يؤهلها لأن تكون جزءاً مهماً من الجواب.
فالسبب بسيط. فالإمارات تمتلك منفذاً مباشراً على كل من بحر العرب والخليج العربي. ولطالما نُظر إلى هذه الميزة الجغرافية من زاوية التجارة والخدمات اللوجستية، لكنها قد تكتسب في العصر الرقمي أهمية مماثلة في مجال تدفق البيانات.
ومن هنا تبرز فكرة عملية وواضحة. فالكابلات الدولية يمكن أن تصل إلى الساحل الشرقي للإمارات على بحر العرب، ثم تعبر الدولة عبر شبكات الألياف الضوئية البرية، لتتصل مجدداً بالشبكات الموجودة على الخليج العربي. وبهذه الطريقة، يمكن الحد من جزء كبير من المخاطر المرتبطة بأحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، من دون الحاجة إلى إعادة تصميم جوهرية لمسارات الاتصالات العالمية القائمة.
وما يجعل هذا الطرح جذاباً أنه لا يتطلب مشاريع هندسية استثنائية أو استثمارات هائلة تتجاوز المألوف. فلا حاجة إلى شق قنوات جديدة أو إنشاء ممرات بحرية بديلة. فالبنية الأساسية موجودة بالفعل، وما ينقص هو توظيفها ضمن رؤية استراتيجية متكاملة.
والأهم أن الإمارات لا تدخل هذا المجال من موقع المبتدئ. فعلى مدى العقدين الماضيين، أصبحت الشركات الإماراتية لاعباً رئيسياً في مشاريع الاتصالات ومراكز البيانات والكابلات الدولية. وقد رسّخت الدولة مكانتها كبوابة رقمية تربط أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، بالتوازي مع تحولها إلى أحد أبرز المستثمرين العالميين في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
ويجب النظر إلى هذه المسألة أيضاً في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها العالم. فالإمارات شريك أساسي في عدد من المبادرات التي تعيد رسم طرق التجارة الدولية، من مبادرة الحزام والطريق إلى الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. وقد صُمّمت هذه المشاريع لتسهيل حركة السلع ورؤوس الأموال والطاقة عبر القارات. لكن ممرات المستقبل ستنقل شيئاً آخر أيضاً: البيانات. بل إن كل ممر اقتصادي بات يحتاج بصورة متزايدة إلى ممر رقمي يوازيه ويكمله.
ومن هنا، فإن الأبعاد الاستراتيجية لهذه الفكرة تتجاوز قطاع الاتصالات نفسه. فوجود ممر رقمي آمن يربط بين بحر العرب والخليج العربي من شأنه أن يعزز مرونة شبكات الاتصالات الدولية، ويدعم نموّ الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، ويكرّس موقع الإمارات كحلقة وصل موثوقة بين الشرق والغرب.
لقد اعتادت الإمارات أن ترى الفرص حيث يرى الآخرون التحديات. فعلت ذلك في الطيران والخدمات اللوجستية والتجارة والتمويل والطاقة. وقد يكون الاقتصاد الرقمي المجال التالي الذي يتيح لها القيام بالدور نفسه.
فمع تحول البيانات إلى أحد أهم الموارد الاستراتيجية في عصرنا، ستصبح البنية التحتية التي تنقلها بأهمية البنية التحتية التي تنقل الطاقة. والدول التي تدرك هذا التحول مبكراً لن تكتفي بالتكيف مع الاقتصاد العالمي الجديد، بل ستسهم في رسم ملامحه لعقود مقبلة.
وفي هذا التحول تحديداً، تبدو الإمارات في موقع فريد يؤهلها لأن تكون من بين الدول التي تصنع هذا المستقبل، لا من تكتفي بمواكبته.
* اقتصادي إماراتي