في عام تراجعت فيه استثمارات المنطقة الأجنبية 10%.. كيف حققت الإمارات نمو بـ6%؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في 2025، استعاد الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي عافيته بعد ثلاثة أعوام متتالية من التراجع، وارتفع 6% إلى نحو 1.6 تريليون دولار (5.9 تريليون درهم)، بحسب تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد". لكن هذا التعافي تركّز في عدد أقل من الاقتصادات والقطاعات، وفي التزامات استثمارية أقل عدداً وأكبر قيمة، ولم ينعكس بالتساوي على المنطقة العربية، التي شهدت تراجعاً في تدفقاتها الواردة بنسبة 10% إلى 119.3 مليار دولار، مع تركّز أكثر من 80% من هذه التدفقات في ثلاث دول فقط: الإمارات، والسعودية بنحو 32.6 مليار دولار، ومصر بنحو 15.4 مليار دولار. 

 

في هذا السياق تحديداً تكتسب تدفقات الإمارات، البالغة 177.3 مليار درهم (48.3 مليار دولار) بنمو 6% سنوياً -وهو نفس معدل النمو العالمي تقريباً- دلالتها التحليلية: الدولة واكبت التعافي العالمي بدل أن تنعزل عنه، فيما تراجع محيطها الإقليمي المباشر. والدليل الأوضح على أن الإمارات لم تكن مجرد مستفيد عابر من هذا التعافي، بل محركاً رئيسياً له، أن منطقة الشرق الأوسط تصدّرت الترتيب العالمي من حيث نمو النفقات الرأسمالية للاستثمار الأجنبي المباشر التأسيسي بنسبة 72.4%، وأن الإمارات ساهمت بمفردها بنسبة 38% من تلك النفقات على مستوى المنطقة بأكملها. 

 

الرهان المحدد: كيف تحولت "قطاعات المستقبل" إلى ميزة تنافسية

يفسّر محمد حسن السويدي، وزير الاستثمار، هذا التمايز بأنه نتاج توجيه مبكر ومقصود لرأس المال نحو قطاعات بعينها، لا مجرد استفادة من حوافز عامة. فقطاع تصنيع السيارات تصدّر القطاعات الأكثر استقطاباً للاستثمار الأجنبي المباشر التأسيسي من حيث النفقات الرأسمالية بنسبة تجاوزت 30%، تلاه قطاع الاتصالات بنسبة 29%، مدفوعاً بمراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بحسب تصريحات السويدي لوكالة أنباء الإمارات "وام"، فيما وصف تقرير أونكتاد -كما نقلته منابر أخرى- القطاع المتصدر بأنه "التصنيع" عموماً وليس تصنيع السيارات تحديداً؛ وهو تفاوت طفيف في الوصف بين المصدر الرسمي والتقرير الأصلي لم تحسمه المادة المتاحة بشكل كامل. 

 

الثابت رقمياً أن قطاع الاتصالات استحوذ على 29% من النفقات الرأسمالية للاستثمار التأسيسي، مدعوماً بإنشاء مناطق سحابية من كبرى شركات الحوسبة العالمية الثلاث، وقاعدة مراكز بيانات تتجاوز طاقتها الحالية 250 ميغاواط مع 500 ميغاواط إضافية قيد التطوير، بحسب السويدي. أبرز محطات هذا التوجه مشروع "ستارغيت الإمارات"، أول مشروع دولي لشركة أوبن إيه آي (OpenAI)، وهو مجمّع حوسبة للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 جيجاواط يجري تطويره في أبوظبي بالتعاون مع شركة جي42 (G42) الإماراتية، إلى جانب استثمار مايكروسوفت (Microsoft) بقيمة 15.2 مليار دولار في الدولة بين عامي 2023 ونهاية 2029 لتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والمواهب المحلية. 

 

هذا التوجه ليس عرضياً بل جزء من حساب اقتصادي معلن: تقدّر وزارة الاستثمار أن الذكاء الاصطناعي سيسهم بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بحلول 2030، وهي أعلى نسبة مساهمة نسبية وأسرعها نمواً في منطقة الشرق الأوسط، بحسب السويدي. وانعكس هذا الرهان في مؤشرات دولية، حيث تصدرت الإمارات المرتبة الأولى عالمياً في نمو تركّز مواهب الذكاء الاصطناعي وفق مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي 2026، والمرتبة الأولى عالمياً في مؤشر "سياسات وثقافة ريادة الأعمال" ضمن مؤشر الابتكار العالمي 2025. أما قطاع العقارات، فحلّ ثالثاً بنسبة 7% من الاستثمار التأسيسي، بنفقات رأسمالية بلغت 1.9 مليار دولار ونمو 71% سنوياً، بينما جاء النقل والتخزين في المرتبة الرابعة.

 

محمد حسن السويدي وزير الاستثمار الإماراتي

 

بنية استثمار أكثر نضجاً

يكشف تقرير الاستثمار الأجنبي المباشر في الإمارات 2026 الصادر عن وزارة الاستثمار تحولاً في تركيبة التدفقات نفسها، لا فقط في حجمها: ظلت مشاريع الاستثمار التأسيسي النوع الأبرز بنسبة تقارب 45% من الإجمالي، بينما نمت عمليات الاندماج والاستحواذ لتشكل 8%، ومشاريع إعادة الاستثمار 11.2%.

 

وعلى صعيد الاستثمار التأسيسي، أُعلن عن 1,562 مشروعاً بإجمالي نفقات رأسمالية بلغت 34.1 مليار دولار (125.2 مليار درهم)، ما يعادل 1.8% من الإجمالي العالمي، محافظة على المركز الثاني عالمياً في عدد المشاريع التأسيسية للعام الثالث على التوالي. كما نضجت منظومة الشركات الناشئة بالتوازي، إذ تضاعف متوسط حجم جولة التمويل تقريباً إلى 9.2 مليون دولار، مع انتقال الشركات من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التوسع. 

 

هذا التنوع في مصادر التدفقات -بين مشاريع جديدة وإعادة استثمار واستحواذات- مؤشر على نضج السوق، لأنه يعني أن الجاذبية لم تعد تعتمد فقط على مشاريع تأسيسية جديدة، بل تشمل قرارات إعادة استثمار من شركات موجودة أصلاً في الدولة، وهو ما يعكس ثقة تراكمية لا لحظية.

 

البنية التشريعية كأداة لتقليص المخاطر لا مجرد حافز

الفارق الجوهري الذي يشدد عليه السويدي بين الإمارات ومنافسيها الإقليميين لا يتعلق بالحوافز الضريبية أو الرسوم فقط، بل بمنظومة تمنح المستثمرين، بحسب وصفه، "مزيداً من الوضوح واليقين منذ مرحلة التأسيس وحتى التشغيل والتوسع". في 2025 تحديداً، خفض سوق أبوظبي العالمي رسوم التراخيص التجارية 50% أو أكثر للشركات غير المالية وشركات التجزئة، وتم توضيح المعاملة الضريبية لصناديق الاستثمار والشراكات المحدودة المؤهلة، وجرى توحيد تنظيم القطاع المالي ضمن قانون واحد وسّع الترخيص ليشمل التمويل المفتوح والأصول الافتراضية، إلى جانب تحديث قانون الشركات التجارية.

 

هذه الإصلاحات تفسّر جزئياً لماذا نجحت الإمارات في النمو فيما تتراجع بيئات إقليمية أخرى، في وقت أشار تقرير المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات "ضمان" إلى أن مخاطر جيوسياسية وسياسية وأمنية ومؤسسية ساهمت في خفض تكلفة مشاريع الاستثمار الجديدة في المنطقة العربية 9% إلى 112 مليار دولار. 

 

الإمارات مُصدِّر صافٍ لرأس المال

تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة من الإمارات بلغت 63.4 مليار دولار في 2025 -أي أعلى من التدفقات الواردة نفسها- بينما بلغ مخزون الاستثمار الصادر 402.7 مليار دولار، متجاوزاً مخزون الاستثمار الوارد البالغ 318.9 مليار دولار بنهاية العام، بحسب السويدي. كما سجلت عمليات الاندماج والاستحواذ الصادرة من الشركات الإماراتية مستوى قياسياً بلغ 18.2 مليار دولار عبر 117 صفقة، بقيادة المؤسسات الوطنية الكبرى وبمشاركة متنامية من شركات القطاع الخاص.

 

هذا المزيج يضع الإمارات ضمن مجموعة محدودة من الاقتصادات المصدّرة الصافية لرأس المال عالمياً، ويعني عملياً أن قدرة الدولة على جذب الاستثمار الأجنبي ترتبط بقدرة موازية على تصدير رأس المال والخبرة الاستثمارية.

 

أثر ملموس على التوظيف

وفّر الاستثمار الأجنبي المباشر التأسيسي أكثر من 65 ألف فرصة عمل خلال 2025، بنمو بلغ 31.6% على أساس سنوي، في قطاعات تشمل النقل والتخزين، وخدمات الأعمال، والبرمجيات وتكنولوجيا المعلومات، وتصنيع السيارات، والخدمات المالية، والاتصالات، بحسب السويدي. وأشار إلى أن حصة وظائف البحث والتطوير والمقار الإقليمية وتكنولوجيا المعلومات من إجمالي التوظيف المرتبط بالاستثمار الأجنبي المباشر تشهد توسعاً متواصلاً، بما يعكس تنامي نقل المعرفة والتكنولوجيا إلى الاقتصاد الوطني.

 

أدوات مؤسسية جديدة لترسيخ الاتجاه

لضمان استمرارية هذا الأداء، اعتمد مجلس الوزراء في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 إنشاء الصندوق الوطني للاستثمار برأس مال مبدئي قدره 36.7 مليار درهم (نحو 10 مليارات دولار)، يستهدف تحفيز التدفقات الواردة عبر حزم مالية دعماً لمستهدفات الاستراتيجية الوطنية للاستثمار 2031. وإلى جانبه، أُطلق في 2025 "صندوق الإمارات للنمو" برأس مال يقارب 272 مليون دولار، يقدم استثمارات نمو للشركات الصغيرة والمتوسطة تتراوح بين 2.7 و13.6 مليون دولار للشركة الواحدة. كما أُطلقت منصة "أطلس" الجغرافية المكانية التفاعلية لتسهيل وصول المستثمرين إلى الرؤى القطاعية والجغرافية داخل الدولة.

 

وبحسب السويدي، تشمل المحطات النوعية المقبلة الإنجاز المتوقع للمرحلة الأولى من مشروع "ستارغيت الإمارات" خلال الربع الثالث من 2026، وبدء تفعيل الحزم التحفيزية للصندوق الوطني للاستثمار، في مسار تستهدف الدولة من خلاله رفع التدفقات السنوية إلى 240 مليار درهم (نحو 65 مليار دولار) ورفع مخزون الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 2.2 تريليون درهم (نحو 600 مليار دولار) بحلول 2031. وقد حققت الإمارات في 2025 نحو 74% من مستهدف التدفقات السنوية، و53% من مستهدف المخزون التراكمي لهذا المسار.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية