فيروز تكسر العزلة لأجل جورج وسوف... رسالة بخط اليد إلى جارها
بين بيتَيْن في حيّ الرابية الهادئ شمال العاصمة اللبنانية بيروت، مسافةٌ لا تتجاوز بضع دقائق بالسيارة. لكنّ الطرق التي تصمت عادةً خلف الأشجار والأسوار العالية، شهدت قبل فترة خطوةً استثنائية مشت عكس اتجاه الزمن، إذ استعادت ساعي البريد من ذاكرة الأرشيف، ليكون حاملاً، ربما لأرقّ طقس إنسانيّ شهدته الساحة الفنية منذ سنوات.
في عصرٍ باتت فيه أعمق المواساة تُختزل بـ"رسالة نصية" أو منشورٍ خاطف على منصات التواصل، أصرّت السيدة فيروز على أن تتخلى قليلاً عن عزلتها الاختيارية والصارمة التي اختارتها منذ عقود. لم ترفع الهاتف، ولم تُرسل بياناً إعلامياً، بل كتبت بخط يدها رسالة ورقية، وأوكلت أمرها إلى "مرسال" ليطرق باب جيرتها في الحيّ نفسه: منزل "أبو وديع".
.jpg)
دهشة جورج وسوف وكواليس رسالة فيروز
عندما طُرِق الباب وقيل لجورج وسوف إنّ ساعي البريد يقف بالخارج، كانت الدهشة أول ما اعتراه. من يرسل رسالة بالبريد الورقي في هذا العصر؟ لكنّ الدهشة سرعان ما تحوّلت إلى غصةٍ وذهول ما إن فتح الظرف وقرأ التوقيع: فيروز.
في الإعلان الترويجي لبرنامج "منا وفينا"، لم يبدُ "الوسوف" كـ"سلطانٍ" يجلس أمام الكاميرا، بل تجربة حية، إنسانية بالدرجة الأولى، حاضرة رغم الإنهاك. لم يشرح للجمهور ما حوته الرسالة، تاركاً تفاصيلها للحلقة المفترض بثّها الجمعة، لكنّ نبرته امتزجت بالإجلال والعرفان لـ"سفيرة النجوم". يمكن قراءة بعض سطور الرسالة من دون فتحها أمام الكاميرا، "مكتوب" من أم مكلومة إلى أب مفجوع!
.jpg)
لقاء بلا مكان.. ووجع مشترك
ليست القصة هنا مجرد مجاملة بين قمتين في الموسيقى العربية، بل هي التقاء نادِر بين قلبَيْن اكتويا بالنار نفسها: فجيعة فقدان الأبناء.
فيروز... سماء الفن التي حملت صليب حزنها الصامت عقوداً، بدءاً من فجيعتها الأولى برحيل ابنتها الشابة ليال عام 1988 وهي في ربيع صباها (عن عمر ناهز 28 عاماً)، مروراً برحيل بكرها ورفيق مسيرتها الموسيقية زياد الرحباني في تموز/يوليو 2025 (عن عمر ناهز 69 عاماً)، وصولاً إلى رحيل ابنها هلي في كانون الثاني/يناير 2026 (عن عمر 68 عاماً)، والذي رعته صابرة لسنوات طوال بسبب تحدياته الصحية الشديدة.
على الأرجح، لم تكن كلمات فيروز مجرد تعزية تقليدية، بل "طبطبة روحيّة" أو "شيفرة حزنٍ" لا يفهمها إلا من ذاق حرقة الموت حين يخطف قطعة من الروح، آست فيها الأب المكسور الذي حمل لقب "أبو وديع" طوال حياته باعتزاز، ليجد نفسه فجأةً في كانون الثاني/يناير 2023 أباً بلا وديع، بعدما رحل ابنه البكر وسنده الأساسي في الحياة بصورة خاطفة ومفجعة عن عمر ناهز 39 عاماً.
View this post on Instagram