قراءة في إنجازات حكومة أخنوش (2021-2026)..

تحت وطأة تصاعد جنوني غير مسبوق في أسعار الأكباش، حلّ عيد الأضحى للعام 1447 ه ، ليتحول من شعيرة للفرح والتلاحم الاجتماعي إلى واجهة تعرّي عمق الشرخ الطبقي في المغرب. في مشهد متكرر ومؤلم، وجدت آلاف الأسر المعوزة، وحتى المنتمية للطبقة المتوسطة، نفسها عاجزة عن إكمال فرحة العيد، ومقصية قسراً من طقس ديني واجتماعي شكّل دائماً صمام أمان للهوية والتماسك الوطني.

هذا العجز الشعبي أمام أثمنة الأضاحي ليس مجرد كبوة عابرة أو نتاج ظروف مناخية، بل هو النتيجة المباشرة والمنطقية لسياسات اقتصادية نُسجت على مدى السنوات الأخيرة. إن الحديث عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب خلال الفترة (2021-2026) لا يمكن أن يظل حبيس القراءات التقنية السطحية التي تكتفي بتحليل المؤشرات المالية الماكرو-اقتصادية، بل يستوجب مقاربة “تفكيكية” تغوص في الجذور البنيوية للقرار السياسي والارتباط العضوي بين مراكز القرار ونفوذ المال.

طفرة التمركز

نحن اليوم أمام ما يمكن تسميته بـ “طفرة التمركز”، حيث انتقلت الدولة من منطق التخطيط الاستراتيجي التنموي إلى منطق التدبير المقاولاتي الذي يغلب مصلحة التراكم الرأسمالي على حساب الأمن الاجتماعي. إن الأرقام التي وثقناها في سياق تشريحنا لهذا المسار ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل هي شهادة على تحول جيوسياسي داخلي أدى إلى تآكل القدرة الشرائية وتعميق الهشاشة في أوساط الفئات الكادحة والطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام أمان التوازن الاجتماعي.

تناقضات النموذج التنموي

تجسد السياسة الفلاحية الحالية مفارقة تاريخية صارخة؛ ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه تعزيز الأمن الغذائي، تم الدفع بمسارات الإنتاج نحو “التصدير القسري” على حساب الاحتياجات الأساسية للمغاربة. إن التحول من اكتفاء ذاتي من اللحوم بلغ مستويات قياسية (99%) إلى الاعتماد الكلي على واردات الحيوانات الحية بمليارات الدراهم، يكشف عن خلل في البنية التحتية الإنتاجية وتخلي الدولة عن دورها في حماية السلسلة الحيوانية الوطنية.

لقد تحول قطاع الماشية من نشاط معيشي للآلاف من الفلاحين الصغار إلى “حقل استثماري” تسيطر عليه لوبيات الاستيراد والتوزيع، مما أدى إلى تصاعد جنوني في الأسعار، حيث تضاعفت تكلفة اللحوم من 70 درهماً إلى 140 درهماً في ظرف زمني وجيز. هذا التضخم في الأسعار ليس نتاج لعوامل خارجية بقدر ما هو نتيجة لهندسة احتكارية تخدم “الفراقشية” والوسطاء الذين يمتلكون أدوات التحكم في قنوات التموين. إن استيراد الأضاحي والأبقار لم يكن حلاً للأزمة، بل كان اعتراف ضمني بعجز الحكومة عن إدارة الموارد المحلية، وتحويل للمال العام نحو تغطية أخطاء استراتيجية بدلاً من دعم المنتجين الصغار وتأهيل المراعي الوطنية.

دينامية الدين العمومي

إن الانفجار في مؤشرات المديونية الخارجية والداخلية يضع المغرب أمام استحقاقات صعبة تهدد سيادته الاقتصادية. فمن ديون خارجية كانت في حدود 40 مليار دولار إلى مستويات بلغت 70 مليار دولار، نجد أن التوسع في الاستدانة لم ينعكس على البنية التحتية المنتجة أو خلق مناصب شغل قارة. بل على العكس، ارتفع الدين العمومي من 950 مليار درهم إلى 1250 مليار درهم، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول وجهة هذه الأموال.

إن تفكيك هذه الأرقام يظهر أن جانباً كبيراً من هذه المديونية قد وُجه لتغطية العجز المزمن في الميزانيات الاجتماعية، مما يعني أننا نستدين اليوم لنستهلك لا لنستثمر. إن هذا النمط من التدبير المالي يكرس ارتهان القرار السيادي للمؤسسات المالية الدولية، ويقلص الهامش المتاح للحكومة في تقديم سياسات عمومية مستقلة، مما يحول الدولة إلى مجرد مدير للالتزامات المالية أمام الدائنين الدوليين، بعيداً عن أجندة التنمية الاجتماعية التي كانت تُرفع كشعار في بداية العقد.

سوسيولوجيا التفاوت الطبقي

وعندما نمعن النظر في التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، نجد أن السياسات المتبعة قد أنتجت انقساماً طبقياً حاداً. إن الانتقال من 4400 مليونير إلى أكثر من 7500 مليونير في ظرف سنوات قلائل، بالتوازي مع ارتفاع عدد الفقراء من 1.42 مليون عام 2022 إلى 2.5 مليون عام 2026، يكشف عن طبيعة النمو المحقق؛ فهو نمو يتركز في قمة الهرم الاجتماعي ولا يتسرب إلى قواعده.

إن برامج الدعم الاجتماعي، وعلى رأسها “آمو تضامن”، تحولت تحت هذا التدبير إلى أداة إحصائية لا تعالج أسباب الفقر بقدر ما تدير أعراضه. إن استهداف حوالي  14 مليون مستفيد ، بزيادة 3 ملايين عن التوقعات الأصلية، لا يعني توسيع نطاق الرعاية، بل يعني اتساع رقعة الهشاشة التي تستوجب التدخل العمومي. لقد أصبح “الفقر” بحد ذاته قطاعاً يُدار، بينما تغيب استراتيجيات الإدماج الاقتصادي الحقيقية التي توفر فرص شغل كريمة، وهو ما تؤكده أرقام البطالة التي قفزت من 9% إلى 13.1%، في فشل ذريع للوعود الحكومية بخلق مليون منصب شغل.

خوصصة الحقوق الاجتماعية

تتجلى “المقاولتية” في أقصى صورها عند فحص قطاعي الصحة والتعليم. إن تمدد المستشفيات الخاصة، خاصة المجموعات الكبرى مثل “أكديتال” التي انتقلت من 9 مصحات إلى 52، يعكس توجهاً ممنهجاً نحو خوصصة الحقوق الدستورية للمغاربة. إن القطاع الخاص الطبي الذي بات يلتهم نصف الأسرة الاستشفائية تقريباً، لا يوفر بديلاً للمواطن الكادح، بل يحول الخدمة الطبية إلى سلعة تجارية باهظة الثمن. وإذا أضفنا إلى ذلك نزوح الأطباء من القطاع العام نتيجة تدهور ظروف العمل ، ندرك أننا بصدد إفراغ المؤسسات العمومية من كفاءاتها.

وفي قطاع التعليم، لا يختلف الوضع كثيراً؛ فقد تراجع الترتيب العالمي للتعليم الوطني من هدف الوصول للرتبة 60 إلى الرتبة 154، مع تقييد الولوج إلى مهن التدريس بسن محدد وسياسات إقصائية تمنع أبناء الطبقات الكادحة من فرص الترقية الاجتماعية التي كانت تتيحها المباريات المفتوحة. إن بيع الأصول العامة من مستشفيات وجامعات بقيمة 125 مليار درهم يعبر عن استراتيجية تسييل الأصول العمومية لتوفير سيولة آنية، وهو ما يضعف القدرات الاستراتيجية للدولة على المدى الطويل.

تراجع الحريات وتجفيف النقد

إن الانحراف الاقتصادي كان ملازماً لعملية تراجع حقوقي وسياسي شامل. لقد تم تجفيف منابع المراقبة المجتمعية عبر قوانين تمنع التبليغ عن الفساد وتجرمه، مما رفع معدل مدركات الفساد في المغرب من الرتبة 89 إلى 99 عالمياً، وبمعدل 37/100. إن المحاولات المتكررة لتدجين العمل النقابي عبر قوانين تحد من حق الإضراب، وإخضاع مهنة المحاماة لسلطة النيابة العامة والقضاء، وتدجين الصحافة، تهدف في مجملها إلى خلق “بيئة خالية من النقد”.

إن الصحافة، التي كانت تمثل ضمير المجتمع، أصبحت تُدار بمنطق الريع  والمصالح المرتبطة بالنافذين. حتى المحاماة، التي كانت الحصن الأخير للعدالة، تعرضت لهزات عنيفة أخضعت ممارستها لضغوط السلطة، مما أدى إلى استنزاف طاقتها المقاومة التي كانت تنبه المجتمع لمواطن الخلل في السياسات العامة.

نحو قراءة استشرافية

إن المشهد الاقتصادي والاجتماعي في المغرب (2021-2026) يشي بأن الدولة قد دخلت مرحلة “التحول الهيكلي القسري”. إن الزاوج غير المشروع بين المال والسلطة قد أفرز واقعاً لا يمكن إصلاحه بـ “تعديلات تقنية” أو “استيراد مؤقت”. إننا نحتاج إلى مراجعة شاملة للعقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمواطن، وهو عقد يجب أن يرتكز على قيم النزاهة، ووقف نزيف الخوصصة، وإعادة الاعتبار للقطاعات العمومية.

اقتصاد الهمزة

إن المستقبل لا يُبنى بسواعد “الفراقشية” والمضاربين ومنطق اقتصاد الهمزة ، بل على استثمار حقيقي في الرأسمال البشري وحماية الموارد الوطنية من الاستنزاف. إن الأرقام التي استعرضناها هي صرخة لضرورة العودة إلى المسار التنموي الحقيقي، حيث لا يكون “النمو” مجرد مؤشر للأثرياء، بل يكون تحسناً ملموساً في جودة عيش كل مواطن مغربي. إن التاريخ الاقتصادي يخبرنا أن الدول التي لا تحمي طبقتها المتوسطة، وتترك للريع مساحة التهام الحقوق، هي دول تضعف بنيتها المؤسساتية تدريجياً، وهو ما يجب على صناع القرار الانتباه إليه قبل فوات الأوان.

اقتصاد في سياسة

ولمن أراد التعمق في هذه الرؤية ومتابعة تفاصيلها، يمكن الرجوع إلى حلقات البرنامج عبر الرابط التالي: youtube.com/@TarikLissaoui. وقريباً – بإذن الله – ستُستأنف الحلقات مجدداً لمواصلة تفكيك هذه التحولات ومتابعة تداعياتها؛ لأن ما نعيشه اليوم ليس حدثاً عابراً، بل فصل من مسار تاريخي طويل تتكشف ملامحه تدريجياً.. وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ..

اقرأ المقال كاملاً على لكم