قضية "بيغاسوس" .. اتهامات إعلامية وتناقضات صارخة

منذ عام 2021، تتوالى، بين الحين والآخر، الاتهامات الإعلامية الموجهة ضد أجهزة الأمن المغربية باستخدام برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” لاستهداف صحفيين ومعارضين وسياسيين مغاربة وأجانب، بمن فيهم مسؤولون فرنسيون وإسبان. ورغم النفي الرسمي والقاطع للمملكة المغربية امتلاكها أو استخدامها لهذا البرنامج، ولجوئها إلى القضاء الفرنسي والإسباني لرفع دعاوى تشهير، تستمر بعض التحقيقات في توجيه أصابع الاتهام إلى المغرب، بناءً على شهادات، آخرها لعميل استخبارات سابق خرج من العدم يُدعى “سفير”.

وبالعودة إلى صيف عام 2021، فقد اهتزت الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية على وقع ما عُرف إعلامياً بـ”فضيحة بيغاسوس”، وهي قضية ادعاءات بتجسس سيبراني واسع النطاق، وجهت خلالها أوساط إعلامية وحقوقية فرنسية اتهامات قوية إلى المملكة المغربية، ادعت فيها استخدام الرباط لهذه البرمجية لاختراق هواتف شخصيات فرنسية بارزة. وقد شكلت هذه الادعاءات منعطفاً حاداً في مسار العلاقات التاريخية بين الرباط وباريس.

أما على المستوى الإسباني، فقد سارعت بعض الأوساط الإعلامية والسياسية في إسبانيا، ولا سيما من صفوف المعارضة اليمينية والجهات الانفصالية، إلى اتهام المغرب باختراق هواتف كبار المسؤولين في إسبانيا باستخدام برمجية “بيغاسوس”. وقد شكل الإعلان، في ماي 2022، عن تعرض هواتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، ووزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، ووزير الداخلية لعمليات تجسس، صدمة داخل الأوساط السياسية. وكان هذا الحدث الاستثنائي سبباً في فتح الباب أمام سيل من التكهنات والتحليلات الإعلامية التي استهدفت المغرب، مما جعل القضية تتجاوز البعد التقني لتأخذ أبعاداً جيوسياسية حساسة.

ومع جميع محاولات هذه الأوساط الإعلامية الأجنبية عموماً، والفرنسية والإسبانية على وجه الخصوص، إلباس هذه الاتهامات رداء الحقيقة والمصداقية، فإن قراءة متأنية لهذه التقارير الأخيرة تكشف عن مجموعة من التناقضات الصارخة التي تثير تساؤلات جدية حول مدى تماسك هذه السردية.

أولى هذه التناقضات تتعلق بمصدر تمويل البرنامج؛ إذ يزعم الشاهد “سفير” أن تكلفة اقتناء “بيغاسوس” تكفلت بها دولة الإمارات العربية المتحدة بالكامل لتوزيعه على الأجهزة الصديقة. وفي المقابل، تتناقض هذه الرواية مع تصريحات موظف سابق في شركة “NSO” المصنعة للبرنامج، ومصدر آخر في قطاع التكنولوجيا، أكدا للمحققين أنهما ليسا على علم بأي مدفوعات تمت من قبل الإمارات لصالح المغرب. وهذا التضارب في الشهادات يضعف من مصداقية الرواية الأساسية حول كيفية حصول الأجهزة المغربية على هذه التكنولوجيا.

كما يبرز التناقض الثاني في الموقف الغريب للضحايا المفترضين من كبار المسؤولين الفرنسيين. ففي حين تدعي التحقيقات أن البرنامج استهدف هواتف وزراء فرنسيين، من بينهم وزيرة الدفاع السابقة فلورانس بارلي، جاءت تصريحاتها أمام قاضي التحقيق، في أبريل 2026، لتزيد المشهد غموضاً؛ إذ صرحت الوزيرة الفرنسية بأنها لا تتذكر شيئاً عن القضية، مؤكدة بشكل قاطع أنه ليس لديها أي شك في أي جهاز استخبارات أو دولة قد تكون وراء هذا الاستهداف المزعوم.

ومن جهتها، تعاملت الحكومة الإسبانية مع هذا الملف بحذر شديد، متجنبة الانجرار وراء الحملات الإعلامية وتوجيه أي اتهام رسمي إلى المغرب. وقد جاء الحسم النهائي من السلطة القضائية الإسبانية في يوليوز 2023، حين قررت المحكمة الوطنية حفظ القضية وإغلاق التحقيق رسمياً. واستند القضاء الإسباني في قراره إلى غياب أي أدلة ملموسة أو تقارير استخباراتية تربط الاختراق بجهة أجنبية محددة، إضافة إلى امتناع السلطات الإسرائيلية عن التعاون وتقديم المعلومات اللازمة حول الشركة المصنعة للبرمجية.

وعلى العموم، فقد شكلت أزمة هذه الاتهامات امتحاناً سريعاً لمتانة العلاقات الثنائية بين الرباط ومدريد، ومحاولة من بعض الأطراف لعرقلة مسار التقارب بين البلدين. غير أن غياب الأدلة الجنائية، والتعامل العقلاني للحكومتين، أديا في النهاية إلى طي هذا الملف المثير للجدل. وبدلاً من التباعد، استمرت العلاقات المغربية الإسبانية في تطورها الإيجابي، متجاوزة مطبات الماضي، لتتوج بشراكة استراتيجية وثيقة ومرحلة جديدة من التعاون المشترك.

وعلى المستوى الدبلوماسي الفرنسي هذه المرة، تظهر مفارقة أخرى تتعلق بالموقف الفرنسي الرسمي تجاه المغرب؛ فالتقارير الاستخباراتية الفرنسية تتهم الرباط بالتجسس على الرئيس إيمانويل ماكرون ووزرائه، لكن، في تناقض تام مع هذه الاتهامات الخطيرة، شهدت العلاقات بين البلدين تقارباً كبيراً تُوج باعتراف الرئيس ماكرون، في أكتوبر 2024، بسيادة المغرب على الصحراء.

هذا الموقف الرسمي الفرنسي، وإن أثار استغراب وغضب بعض الضحايا الفرنسيين المفترضين للبرنامج، الذين اعتبروا أنه من غير المنطقي أن تقدم باريس تنازلات دبلوماسية كبرى لدولة تتهمها باختراق أعلى هرم السلطة فيها، فإنه يؤشر على حقيقة أن هذه الاتهامات تبقى مجرد مؤامرات إعلامية وسياسية كانت تبحث عن تقويض أي تقدم في العلاقات الثنائية الفرنسية المغربية، وما يمكن أن يتبع هذا التقدم من تحقيق اختراقات في مجالات الاستثمارات المتبادلة وتطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها.

وأخيراً، تكشف الوثائق عن ازدواجية واضحة في معايير الدولة الفرنسية. ففي الوقت الذي يُصوَّر فيه البرنامج، على الصعيد الإعلامي، كأداة قمع، سعت السلطات الفرنسية نفسها، وتحديداً المديرية العامة للأمن الداخلي، إلى امتلاك هذا البرنامج، وتفاوضت لشرائه حتى عام 2021.

وقد تمت الموافقة بالفعل على ميزانية تتراوح بين 60 و80 مليون يورو لاقتنائه، قبل أن يتراجع الرئيس ماكرون في اللحظات الأخيرة خوفاً من المخاطر المتعلقة بسمعة البلاد. وفي المحصلة، تجعل هذه التناقضات والمفارقات الدبلوماسية من الرواية الإعلامية لملف “بيغاسوس” مادة معقدة تفتقر إلى الاتساق المنطقي والسياسي.

وتزداد المفارقات والتناقضات غرابة حين نعلم أن فرنسا لم تقف يوماً مكتوفة الأيدي أمام العراقيل التي واجهت اقتناء برمجية “بيغاسوس” الإسرائيلية، لكنها، في المقابل، طورت برنامجها الخاص المسمى “Predator” للتجسس الرقمي عبر تحالف “Intellexa”، وذلك بمباركة رئاسية شخصية وبتمويل من وزارة المالية، التي كان يقودها آنذاك برونو لومير. وهو البرنامج الذي تؤكد مصادر مطلعة على مستجدات مجتمع الاستخبارات أن قدراته على الاختراق أكبر، وتتجاوز المنتج الإسرائيلي، حيث تكمن خطورة هذا النظام في قابليته للتكامل مع برامج أخرى، وقدراته الفائقة على اختراق مختلف الأجهزة أينما وُجدت.

وهنا تظهر الانتقائية والاستهداف المقصود اللذان تمارسهما “Forbidden Stories”، ومن يدور في فلكها من منظمات ومنابر إعلامية تدعي الانتماء إلى العالم الحر. فلماذا هذه الحملة على برمجية “بيغاسوس” بالذات، وتحديداً استعمالها المفترض من قبل المغرب، في حين يعج العالم ببرمجيات خاصة بالتجسس الرقمي على الأشخاص والمنظمات، منها الإيطالية والأمريكية والإسرائيلية والبريطانية وغيرها؟ أم أن النظرة الاستعمارية لبعض الأوروبيين لم تستوعب بعد أن المغرب قوة أمنية واستخباراتية قادرة على إدارة أقوى منظومات الأمن الداخلي الإلكترونية؟

الجواب عن هذه الانتقائية بسيط جداً، ولا يحتمل الكثير من التأويلات؛ فطبيعة الخرجة الإعلامية المتزامنة لتحالف “Forbidden Stories” تؤكد أن كذبة استعمال المغرب لـ”بيغاسوس” تشبه، إلى حد كبير، كذبة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، وهي الذريعة التي استُخدمت منذ أكثر من خمس سنوات كمطية لمحاولة تحقيق اختراق داخلي والتشويش على الإنجازات التي راكمتها منظومة الدولة المغربية، وفي مقدمتها، بطبيعة الحال، المكانة التي وصلت إليها أجهزة الأمن الداخلي لدى الشركاء الأوروبيين، وهي المكانة التي يبدو أنها تزعج أطرافاً في فرنسا وإسبانيا بقدر ما تزعج الطابور الخامس المغربي نفسه.

وفي خلاصة لمعركة “بيغاسوس”، التي تشكل نموذجاً حياً لكيفية تأثير التكنولوجيا وحروب الفضاء السيبراني في العلاقات الدولية المعاصرة، وكيف يمكن للادعاءات التقنية غير المحسومة أن تُحدث ضرراً دبلوماسياً في عالم مترابط، تجمع الآراء الدبلوماسية والسياسية والإعلامية الرصينة على نجاح المقاربة المغربية، القائمة على اتخاذ موقف حازم اتسم بالرفض القاطع لكل هذه الاتهامات، بما مكن من تفنيدها والمضي قدماً في العلاقات الثنائية مع فرنسا وإسبانيا. وهو الأمر الذي يبدو جلياً اليوم، في سنة 2026، أنه يزعج أطرافاً إقليمية ودولية سارعت إلى الدفع بإعادة نشر هذه الاتهامات، لعلها تشوش على النجاحات الدبلوماسية للمغرب وتوقف عجلة التقدم والازدهار التي يعيشها.

The post قضية "بيغاسوس" .. اتهامات إعلامية وتناقضات صارخة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress