قمة الناتو في أنقرة: وحدة معلنة وتباين استراتيجي يكشف حدود التحالف

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

علي حمود

 

عقدت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة في مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ نهاية الحرب الباردة، فيما يواجه الحلف مجموعة متشابكة من التحديات الأمنية تمتد من أوكرانيا وروسيا إلى الشرق الأوسط والمنافسة المتصاعدة مع الصين. وفي الوقت الذي يسعى فيه قادة الحلف إلى إظهار صورة من التماسك، تكشف الملفات المطروحة عن تباينات متزايدة في الأولويات بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، خصوصاً في ما يتعلق بالأزمة الإيرانية. 
الرئيس الأميركي دونالد ترامب حرص خلال القمة على التأكيد أن "وحدة هائلة" تجمع أعضاء الحلف، معتبراً أن الناتو يدخل مرحلة جديدة من القوة العسكرية والاقتصادية. إلا أن هذه الرسائل الإيجابية جاءت متزامنة مع انتقاداته الحادة لعدد من الدول الأوروبية بسبب ما وصفه بترددها في الانخراط بصورة أكثر فاعلية في المواجهة مع إيران، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين الرؤية الأميركية والمقاربات الأوروبية للأمن الإقليمي. في المقابل، أبدى القادة الأوروبيون دعماً ديبلوماسياً للولايات المتحدة، مؤكدين أهمية الشراكة عبر الأطلسي وحق إسرائيل في أمنها، لكنهم تجنبوا تقديم أي التزامات سياسية أو عسكرية مباشرة قد تُفسر باعتبارها انخراطاً أوروبياً في أي مواجهة أوسع في الشرق الأوسط. ويعكس هذا الموقف قناعة أوروبية بأن الأولوية الاستراتيجية لا تزال تتمثل في احتواء روسيا واستمرار دعم أوكرانيا، مع تجنب فتح جبهة جديدة قد تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية للقارة. 
وفي صلب القمة، برزت الضغوط الأميركية لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، في أكبر عملية إعادة هيكلة للأعباء المالية داخل الحلف منذ تأسيسه. وتعتبر واشنطن أن البيئة الأمنية الجديدة تستوجب انتقال الدول الأوروبية من مرحلة الاعتماد على المظلة الأميركية إلى مرحلة الشراكة المتكافئة في التمويل والإنتاج العسكري. ولم يعد النقاش مقتصراً على زيادة الميزانيات، بل انتقل إلى كيفية تحويل هذه الأموال إلى قدرات صناعية مستدامة. 
وهنا برز منتدى الصناعات الدفاعية التابع للناتو كأحد أهم محاور القمة، بعدما تحول إلى منصة استراتيجية تجمع الحكومات وكبريات الشركات الدفاعية لبحث توسيع الإنتاج العسكري، والتصنيع المشترك، وتوحيد سلاسل التوريد، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري، والأنظمة غير المأهولة، والأمن السيبراني، إضافة إلى زيادة إنتاج الذخائر والصواريخ. كما شهد المنتدى الإعلان عن سلسلة من الاتفاقات الدفاعية التي تقدر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات، شملت شراء ما يصل إلى عشر طائرات إنذار مبكر من طراز GlobalEye، والتوسع في برامج الطائرات المسيّرة الاستراتيجية، وإنشاء خطوط إنتاج أوروبية لصواريخ Patriot PAC-3 وATACMS، إلى جانب توسيع برنامج طائرات النقل العسكري A400M وتعزيز التعاون الصناعي مع كوريا الجنوبية في مجالات البحث والتطوير والإنتاج الدفاعي. لكن رغم هذا الزخم العسكري والصناعي، تبقى القضية الإيرانية الاختبار السياسي الأكثر حساسية لوحدة الحلف. فبينما ترى إدارة ترامب أن التحديات الأمنية مترابطة من أوروبا إلى الشرق الأوسط، يفضل معظم الحلفاء الأوروبيين الفصل بين الجبهتين، معتبرين أن توسيع نطاق المواجهة قد ينعكس سلباً على استقرار القارة الأوروبية واقتصاداتها.
لذلك، تبدو قمة أنقرة محطةً تؤكد أن الناتو يدخل مرحلة جديدة أكثر قوة من الناحية العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يواجه واقعاً سياسياً أكثر تعقيداً. فالحلفاء متفقون على مواجهة روسيا وتعزيز القدرات الدفاعية، إلا أنهم لا يزالون مختلفين حول حدود التضامن عندما يتعلق الأمر بأزمات الشرق الأوسط. وبين خطاب الوحدة الذي يرفعه ترامب وحسابات العواصم الأوروبية الأكثر حذراً، يتضح أن تماسك الناتو لم يعد يُقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري، بل أيضاً بقدرته على التوفيق بين أولويات استراتيجية لم تعد متطابقة كما كانت في العقود السابقة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية