كانّ 79 - "هوب": مخلوقات تلتهم سينما نا هونغ جي
في السنوات الأخيرة، دأب مهرجان كانّ السينمائي على إقحام أفلام "الجانر" ضمن مسابقته، ولا ضير في ذلك من حيث المبدأ، غير أن الأمر لم يبلغ يوماً حدّ ضمّ فيلم مثل "هوب" لنا هونغ جين، إلى جانب أرفع نماذج "سينما المؤلف". نحن هنا أمام عمل ضخم الإنتاج، بلغت تكلفته نحو خمسين مليون دولار، بدا كأن نصفها أُنفِق على الذخيرة التي تنهال على المخلوقات العجيبة طوال الفيلم.
هونغ جين، صاحب الفيلم اللافت "المطارد" (عُرض في كانّ عام 2008)، الذي كوّن على مر السنوات قاعدة واسعة من المريدين حول العالم، يعود بعد غياب عشر سنوات بهذا العمل الذي كان يُفترض أن يؤكد نضجه الفنّي، فإذا به يغرق في استعراض أجوف لا يحمل من سينماه السابقة سوى الاسم.
تدور الأحداث في منطقة شبه مهجورة تشهد سلسلة من جرائم القتل التي تطاول البشر والحيوانات. الجثث تحمل آثار أنياب هائلة، وملامح تنكيل توحي بأن الفاعل ليس بشرياً. وسرعان ما تظهر الحقيقة: كائنات هجينة، لا هي وحوش ولا هي مخلوقات فضائية، تهاجم البلدة وتريد الشر لسكّانها.

على امتداد ساعتين وأربعين دقيقة، لا يكف الفيلم عن مطاردة مشاهديه بسيل من مشاهد العنف والركض والانفجارات. الشرطي (هوانغ جونغ مين) الذي يقود الناجين، يظلّ يركض في كلّ اتجاه بلا توقّف، إلى حدّ يُرهق المتفرج نفسه، فيما يتعامل مع ذاته بجدية مفرطة وثقة عالية بقدراته، من دون ذرة شكّ، ممّا يجعله يبدو في كثير من الأحيان شخصية كاريكاتورية أكثر منه بطلاً درامياً. هكذا يغرق الفيلم تدريجاً في هستيريا متواصلة، لا تترك مجالاً لأي تأمّل في ما نراه.
المشكلة لا تكمن فقط في ضحالة العُمق الدرامي، بل في الغموض الذي يحيط بكلّ شيء: ماذا تريد هذه الكائنات؟ ما غاية وجودها هنا؟ وما الذي يسعى الفيلم إلى قوله أصلاً؟ هونغ جين يترك المُشاهد في فراغ كامل، كأن الإبهار البصري وحده يكفي لتبرير هذا الصخب كله. لكن حتى هذا الإبهار يبدو متقادماً، فالمؤثّرات البصرية تأتي بدائية وكرتونية، أقرب إلى ألعاب فيديو قديمة منها إلى فيلم يُعرَض في أهم مهرجان سينمائي في العالم.
يحاول السيناريو بين الحين والآخر تخفيف وطأة التوتّر عبر مشاهد هزلية ذات طابع بورلسكي، غير أنها تزيد العمل ترهلاً، فيما تستمر الموسيقى الضاغطة في الدفع نحو توتّر مصطنع. وفي النهاية، لا يبقى في الفيلم سوى الحركة الخالصة والتشويق المكرر على مدى 160 دقيقة، تؤديه شخصيات بلا ملامح حقيقية أو تعقيد إنساني.
صحيح أن العمل يتضمّن بعض اللقطات البصرية اللافتة، كمشهد دخول الرصاصة في فم الوحش بالحركة البطيئة، إلا أن هذه الومضات المتفرقة لا تكفي لإنقاذ فيلم يفتقر إلى أي معنى، ويبدو مجرد صدى لأفلام سبقته وتفوّقت عليه أسلوباً وخيالاً في تناول خطر الكائنات الفضائية وتهديدها للبشر. في المحصلة، فإن "هوب" قد يرضي الباحثين عن جرعة أدرينالين، لكنه ينهار سريعاً كعمل سينمائي يطمح إلى ما هو أبعد من ذلك.