كره مجاني

كان سعد طفلًا ريفيَّ المظهر، لكنه يحمل في داخله من الأدب ما لا تحمله مدن بأكملها. تربى بين جبال شامخة ومداشر صغيرة يختلط فيها صوت المؤذن بثغاء الأغنام ورائحة الخبز الساخن المنبعثة من الأفران الطينية. هناك، كان الكرم قانونًا غير مكتوب، والإيثار عادة يومية يمارسها الجميع دون انتظار مقابل الضيف في تلك القرى لا يطرق الباب مرتين؛ تكفيه نظرة عابرة حتى يجد من يدعوه إلى الطعام والمبيت. أما الأذى، فكان كلمة غريبة عن قاموس أهل الجبل.

في الصباحات الباردة، كان الأطفال يخرجون جماعات نحو الكتّاب، يحملون ألواحهم الخشبية الصغيرة، ويحفظون ما تيسر من القرآن الكريم، قبل أن يتفرقوا في الجبال لرعي الأغنام أو مساعدة أسرهم في الحقول…

ذات مساء صيفي، جلس سعد قرب والده تحت ضوء قمر يتسلل بين الغيوم.

قال الأب وهو يربت على كتف ابنه:

— أريدك أن تحفظ القرآن يا بني، وأن تتشبع بالأخلاق قبل العلم. أما مستقبلك، فاصنعه كما تشاء

صمت قليلًا ثم أضاف:

— لقد تعبتُ من الأرض، وأتمنى أن أراك أفضل مني

رفع سعد رأسه، ولمع الأمل في عينيه.

— أريد أن أكمل دراستي في المدينة

ابتسم الأب رغم القلق المختبئ في ملامحه.

— إن نجحت، سأفعل المستحيل من أجلك

وبعد أشهر، عاد سعد من مركز الامتحان يركض كأنه يطارد حلمه بيديه. حصل على معدل مرتفع خوّل له منحة داخلية للدراسة في المدينة..

اشترى له والده حقيبة خشبية من السوق الأسبوعي، ووضع فيها ثيابه القليلة وبعض الخبز اليابس والتين المجفف. وحين ودعه صباح السفر، أخفى دموعه بصعوبة.

كانت المدينة عالمًا آخر.

شوارع مزدحمة، بنايات مرتفعة، ولهجات مختلفة. شعر سعد في أيامه الأولى كأنه اقتُلع من جذوره وأُلقي في أرض لا تشبهه..

لكن تفوقه الدراسي جعله محط اهتمام الأساتذة سريعًا. كان هادئًا، يجلس دائمًا في آخر القسم، غير أن اسمه يتردد كلما استعصى سؤال على التلاميذ.

في الرياضيات يجيب.

في اللغة العربية يتفوق.

وفي العلوم يثير إعجاب الجميع.

إلا في حصة الرياضة.

في أحد الأيام، دخل الساحة مرتديًا بذلة رياضية غير متناسقة؛ سروالًا أوسع من مقاسه، وحذاءً مهترئًا استعاره من أحد زملائه في الداخلية..

تبادل بعض التلاميذ الضحكات، لكن الأستاذ كان الأكثر قسوة….

نظر إليه بازدراء وقال أمام الجميع:

— هل جئت إلى الرياضة أم إلى رعي الغنم؟

اشتعل وجه سعد خجلًا، وانخفضت عيناه نحو الأرض، بينما انفجر بعض التلاميذ ضاحكين.

منذ ذلك اليوم، صار الأستاذ يتعمد السخرية منه كل أسبوع؛ مرة بسبب لهجته، ومرة بسبب ثيابه، ومرة فقط لأنه قروي.

كان سعد يبتلع الإهانة بصمت، ويهرب إلى دفاتره كلما ضاقت به نفسه.

ومع نهاية الدورة الأولى، اجتمع الأساتذة لتداول النتائج…

تفاجأ الجميع حين وجدوا اسم سعد في المرتبة الأولى بمعدل مرتفع جدًا، بينما كانت أضعف نقطة لديه في الرياضة.

تأمل أحد الأساتذة الورقة باستغراب:

— كيف حصل هذا التلميذ النجيب على تسعة من عشرين فساد الصمت.

أدرك أستاذ الرياضة لحظتها أن الجميع فهم الحقيقة.

شعر بحرارة الخجل تصعد إلى وجهه، وانحنى رأسه دون أن ينطق بكلمة

بعد ذلك اليوم، تغيّر شيء داخله

لم يعد يسخر من سعد، ولم يعد ينظر إلى ثيابه أو لهجته، بل صار يعامله كبقية التلاميذ

أما سعد، فقد حمل الجرح معه لسنوات طويلة.

لكنه، بدل أن يحوله إلى كراهية، جعله درسًا في الإنسانية.

وحين أصبح إطارًا تربويًا، كان أكثر المدرسين قربًا من التلاميذ البسطاء، وأكثرهم رفضًا للتنمر والسخرية.

كان يؤمن أن قيمة الإنسان لا تكمن في مظهره، بل في قلبه، وفي ما يحمله من أخلاق وأفكار.

ولهذا، كلما رأى طفلًا خجولًا يجلس في آخر القسم، تذكر نفسه… وابتسم…

The post كره مجاني appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress