كيف سقطت كذبة إسرائيل حول حماية المسيحيين؟
مهى بطيش
تحاول إسرائيل دائماً تقديم نفسها على أنها حامية المسيحيين في الشرق الأوسط. وقد جدّد بنيامين نتنياهو هذا الخطاب في رسالة تهنئة بمناسبة عيد الفصح، حين قال إن "إسرائيل تبقى الدولة الوحيدة في المنطقة التي تحمي المجتمع المسيحي وتتيح له النموّ والازدهار". وأضاف أن المسيحيين يتعرّضون للاضطهاد في دولٍ أخرى من الشرق الأوسط، بينما تضمن لهم إسرائيل حرية العبادة وتحميهم. وفي 20 آذار الماضي، نُقل إلى البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي أن الولايات المتحدة حصلت على تعهّدٍ من إسرائيل بعدم التعرّض للبلدات المسيحية في جنوب لبنان.
إلّا أنّ إسرائيل تكذب.
ففي مقابل هذه الادعاءات، قصفت إسرائيل الحيّ المسيحيّ في مدينة صور، متجاهلةً مطالبة رئيس الجمهورية بتحييده عن العمليات العسكرية. كما أفادت تقارير دولية، نقلاً عن مسؤولين كنسيين في المدينة، بأن الحرب ألحقت أضراراً جسيمة بمواقع دينية وتراثية، وأن المخاوف لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل تمتد إلى تهديد الوجود المسيحي التاريخي في المنطقة وإعاقة عودة السكان النازحين إلى منازلهم. ولم يقتصر الأمر على صور، إذ كان أكثر من 14 بلدة جنوبية ذات حضورٍ مسيحي قد تعرّضت قبل ذلك للتهديد بالإخلاء والقصف والحصار و التجريف والتدمير الممنهج.
ففي يارون، لم يبقَ قائماً سوى بضعة منازل، فيما هُدم تمثال القدّيس جاورجيوس، كما طاول الدمار ديراً ومدرسة للراهبات المخلّصيات. أمّا في دبل، فقد استهدف جيش الاحتلال منزلاً في البلدة وتمركز داخل الكنيسة، قبل أن يعمد إلى تجريف الطرق وتدمير المنازل واقتلاع أشجار الزيتون، فضلًا عن استخدام منازل المدنيين مواقع عسكريةً وثكناتٍ ميدانية. وامتدّ العدوان إلى القوزح حيث دُمّرت كنيسة القدّيس يوسف التي يعود تاريخ بنائها إلى عام 1927. كذلك، استُهدف في إبل السقي محيط تواجد الفرق الصحافية، فيما شهدت دير ميماس تدمير بئر المياه الوحيدة التي تغذّي البلدة بمياه الشرب، إضافةً إلى تدمير مبنى الوقف الأرثوذكسي. أمّا في راشيا الفخار، فقد استُهدفت شبكة الكهرباء والمحلات التجارية وحقول الزيتون، بينما أصابت الغارات في جديدة مرجعيون قبة كنيسة القدّيس جاورجيوس للروم الأرثوذكس ومدرسة راهبات القلبين الأقدسين.
وانتشرت صور لجندي إسرائيلي وهو يحطّم تمثالًا للسيد المسيح، فيما ظهر آخر واضعاً سيجارةً في فم تمثال السيدة العذراء.
وأمام هذه الوقائع، يبرز سؤال بديهي: كيف يمكن دولة تدّعي حماية المسيحيين أن تستهدف بلداتهم وكنائسهم وأديارهم ومدارسهم ومصادر رزقهم، وأن تسمح بالإساءة إلى رموزهم الدينية، وأن تجعل مناطقهم غير قادرة على استعادة الحياة؟
غير أنّ المسألة تتجاوز الدمار المادي. فإسرائيل لا تكتفي بالحرب العسكرية، بل تخوض أيضاً حرباً على الوعي وعلى تماسك المجتمعات. ومن هنا، يُبرَّر كل اعتداء، مسبقاً أو لاحقاً، بذريعة وجود عناصر للحزب في المنطقة المستهدفة، وتُسخَّر هذه الرواية لتبرير ما ينتج من القصف من قتل وتهجير وتدمير وتجريف. وقد ساهم بعض المنابر الإعلامية، من قصدٍ أو من غير قصد، في ترسيخ هذه السردية وإعادة إنتاجها، عبر تكرارها وتقديمها بوصفها مسلّماتٍ جاهزة، بما أدى إلى تطبيعها في الوعي العام وتحويلها من روايةٍ قابلة للنقاش إلى تصوّرٍ شبه بديهي.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ما تهدمه الحرب، بل في ما تسعى إلى تقويضه من روابط تجمع أبناء المجتمع الواحد. فعندما يُدفَع اللبنانيون إلى النظر إلى مصائر بعضهم بعضاً بمنطق الطوائف والانقسامات، تتحقّق الغاية الأبعد للحرب: تفكيك المجتمع من الداخل. وعندئذٍ يغدو المجتمع، من حيث لا يدري، جزءاً من آلية تحقيق الهدف الذي قد تعجز القوة العسكرية عن بلوغه.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مشروعٍ سياسي يصون تماسك المجتمع ويرفض منطق الفرز، لأن الاستهداف لا يطاول فئةً بعينها، بل المجتمع بأسره. وإذا كان بالإمكان إعادة بناء ما تهدّم من حجر، فإن ترميم مجتمعٍ تمزّقت روابطه يبقى مسؤوليتنا الأكثر أهميةً وإلحاحاً.
المقاربة الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الاعلامية