لا تحتاجُ العَربيّةُ تَبْسيطًا..
بين هيْبَة اللّسَان ومَنطق الخَوارزمية
هل جاءتِ التقنيةُ إلى العربيةِ لتنهضَ بالنصّ، أم لتمنحَ العاجزين عن بناءِ المعنى رخصةً فاخرةً للتقصير؟ ولماذا يُصرُّ بعضُهم على اختزالِ العربيةِ، بكلّ ما فيها من مقامٍ وإيحاءٍ ونبرةٍ ومراتبِ دلالة، في امتحانِ إعرابٍ مدرسيٍّ متأخّر، كأنّ اللغةَ كلَّها لا تزيدُ على شرطيّ مرورٍ يراقبُ آخرَ الكلمة؟ نعم، تستطيعُ الخوارزميةُ أن تُدقّقَ وتقترحَ وتفضحَ الغموضَ وتكشفَ العيوب، وذلك نفعٌ لا يُنكر؛ لكنّ السوقَ، بما فيه من شغفٍ أعمى بالسرعةِ والمظهر، يُفسدُ هذا النفعَ حين يساوي بين الصدى والقيمة، وبين الجملةِ التي تلمعُ والجملةِ التي تُصيب. هكذا لا تبقى التقنيةُ رافعةً للكتابة، بيد أنها تغدو صالونَ تجميلٍ لنصوصٍ عليلةٍ؛ أنيقةِ الهيئة، خاويةِ القيمة؛ أمّا العربيةُ فلا تنخدعُ بهذا البريقِ الرخيص؛ لأنها لا تقيسُ الكلامَ بصحّةِ إعرابه وحدها، وإنما بقدرتهِ على أن يعْنيَ، وأن يُصيبَ، وأن يَبلُغَ.
العربيّة لا تضْعف… نحنُ نتهاوَنُ
تتبّعتُ مؤخرا أشغال مؤتمر دوْلي حول “العربيةَ والذكاء الاصطناعي” جمع مهندسين ولسانيين من جهات شتّى. توقّعتُ من النقاش أن يخرج بخطة تنفيذ واضحة، بيد أنه قدّم فقط وعودًا من غير مؤشرات قياس مُتماسكة. تحدّث المهندس بثقة عن المعالجة والنماذج وتعاملَ مع اللغة العربية بوصفها مادّةً قابلة للتَّحليل الآلي. وتحدّث اللِّساني بِوَقار عن الدَّلالة وتمسّكَ بحِرَاسَة النّحْوِ. دعا كل طرفٍ إلى “إنقاذ العربية” و”تطويرها” في وقت واحد. حملتْ هذه الدّعوة مقاصد مُتباعدة، لذلك، ضاع الإنجاز بين عناوين برّاقة وتفاصيل مؤجّلة.
تدخلُ العربية اليومَ مجالَ النّقاش حول الذكاء الاصطناعي من باب مفارقةٍ صارخة: فهي لغةٌ رفيعةُ الدلالة، دقيقةُ المقام، ومع ذلك لا تزال منصّاتٌ كثيرةٌ تُقاربها باعتبارها موضوعًا للقياس الآلي، لا تجربةً حيّةً في الفهم والتأويل. قد يُحسِنُ النظامُ الآليُّ ضبطَ الإعرابِ ورفعَ الفاعل، لكنّ السؤالَ الأهمَّ يظلُّ خارجَ مُتناولِه: ما الذي تُفصحُ عنه العربيةُ حين تنقلُ الكلمةَ من موضعٍ إلى آخر، وتغيّرُ النبرة، وتكثّفُ العبارةَ بما يتجاوزُ المعنى الواحد؟ من هذا المنظور، تكشفُ العربيةُ في كلّ اختبارٍ خللَ المنهج قبل أن تكشف خللَ النّموذج، وتفضحُ المسافةَ بين مشروعٍ يتقدّم بمنطق العرض ومشروعٍ يتأسّسُ على الحُكم الرّشيد. ليست العربية، يا سادة، في حاجةٍ إلى صخبٍ دعائيّ ولا إلى تجميلٍ متعجّل؛ إنما حاجتُها إلى قيادةٍ مسؤولة، ومرجعيةٍ معياريةٍ ضابطة، وبرنامجِ عملٍ واضحٍ وقابلٍ للتّنفيذ، يُحسنُ توظيفَ التقنية ويضبطُ وجهةَ الحوار. تبلغُ الخوارزمياتُ قدرًا مُعتبرًا من الدّقّة في نصبِ المفعول والتمييزِ بين “إنّ” و “أنّ”، لكنها تتعثرُ حيث يبدأُ جوهرُ اللغة: في النّبرة، والمُراد. من هنا، لا يستقيمُ مسارُ العربية من دون اختباراتٍ تُحاسبُ الفهمَ قبلَ سلامةِ الشكل، من دُون أفقٍ واضحٍ للنقاش يحدّدُ الغايةَ والحدودَ ويُحسنُ توزيعَ المسؤوليات بين “التقنية والبيان”؛ وإلّا أعادَ المشهدُ إنتاجَ نفسِه: “ذكاءٌ” يتصاعدُ في النُّصوص، وضجيجٌ يتكاثرُ على المنصّات، وعربيةٌ تربحُ دقّةَ الإعراب لتخْسرَ، في المقابل، دقّةَ السُّؤال.
العربيّة لا تُهانُ إلاَّ بأهْلها
يدخل الذكاء الاصطناعي إلى العربية، في الغالب، بوعدٍ جاهزٍ باختصار الطريق. يبدأ المشهدُ بطموحٍ مرتفع وعناوينَ براقة، ثم يتسرّب سريعًا وهْمُ الإنجاز. غير أنّ العربية لا تتقدّم بحفظ القواعد وحده، وإنما ببناءِ أساسٍ عَمليٍّ صَلْب: قاموسٍ متَّفقٍ عليه، وتعريفاتٍ دقيقة، وسياسةِ جودةٍ واضحة، وأدوات أداءٍ تَقيسُ الفهمَ والنتائجَ بدلَ الاكتفاء بالشِّعارات. أمّا إذا غاب هذا الأساس، ظلّ الحديثُ عن “العربية والذكاء الاصطناعي” مجرّدَ حملةٍ تسويقيّةٍ تقتاتُ من وُعُود “التَّحديث القادم”.
تعيشُ العربيةُ اليومَ ما يكادُ يكونُ “وضعَ صيانةٍ”، حيث ينصرفُ الاهتمامُ إلى الحدّ الأدنى من المعالجة التقنيّة: همزةٌ تُصحَّح، وتركيبٌ يُهذَّب. يبدو ذلك مُرضيًا لأنّ الشاشةَ تكافئُ الأثرَ السريع، ولأنّ معالجةَ العيوبِ الظاهرةِ أسهلُ من مواجهةِ الأعطابِ البنيويّة. غيرَ أنّ العربيةَ لا تحيا بتلميعِ سطحها، ذلك أنها تتجدّدُ بما يخلقهُ السياقُ ويثبّتهُ الاستعمال. كيف تراجعَ مُستوى الكتابة؟ وما الذي تعثّر في بنيةِ التفكير قبل أن يضعُفَ اللّسان؟ عندئذٍ يصبحُ ترميمُ الواجهة ذريعةً جاهزةً لإهمالِ ما هو أعمق: بناء بياناتٍ لغويةٍ موثوقة، وتأسيس تعلّمٍ قرائيٍّ متين، وتدريب كتابيّ رصين. والنتيجةُ: عربيةٌ صحيحةُ المظهر على الشاشة، لكنها واهنةُ الأثر في الفَهم والإقناع. لهذا، ليست العربيةُ في حاجةٍ إلى مزيدٍ من “الصيانة”، بقدر ما تحتاج إلى رؤيةٍ واضحةٍ تفتحُ مجالَ النقدِ الصريح، وتضعُ مسؤوليةَ الاستعمال حيث ينبغي: عند من يكتبُ ويعلّمُ وينشُر. بذلك وحده تستعيدُ العربيةُ قوّتَها بوصفها أداةَ تعبيرٍ حيّة، لا واجهةً مُلمَّعة. أمّا خطابُ الشعارات، فلا يفعلُ غيرَ إعادةِ إنتاجِ الوهْمِ باسمِ العربية، يطرح مشروعًا محدودًا ويغطيه بعشرات اللاّفتات: تمكين، حماية الهوية، ثورة رقمية، إنقاذ اللغة، ذكاء عربي، ثم يتحوَّل كل شعار إلى ستار من دُخان: يرتفع الصوت عندما تضعف المعايير، وتكثر العبارات الرّنانة عندما تغيب الحكامة، ومع غيابها يتشظّى المشروع إلى نسخ متوازية بحسب الجمهور: نسخة للتّمويل، ونسخة للإعلام، ونسخة للجَامعات. تَعِدُ كل نسخة بوَعْد مُختلف، ثم تترك الوَعْد يذوب في “نجاح” لا يخضع لقياس. عندئذ يقدّم العرض نفسه بدل أن يقدّم المضمون: يُفضّل جودةَ الإخراج على جودة البيانات، ويستبدل اختبار الفهم بتلميع المصطلح، فينتقل الاهتمام بالعربية من سؤالٍ معرفيٍّ إلى مُنتَجٍ دعائيّ.
مُؤتمرٌ يحْتفلُ بالعَربية ويقيسُها بالتَّصْفيق
خرجتُ من متابعة عروض هذا المؤتمر الدولي حول “اللغة العربية والذكاء الاصطناعي” بخيطٍ واحد تكرر من جلسة إلى أخرى: يبدأ المتحدث بعنوان لافت للنّظر، يمرّ على شرائح “مُلوّنة بعناية”، ويُنهي كلامَه بوَعْد مُطمئنّ عن “إنقاذ العربية”. وبين البداية والنهاية تختفي الأسئلة التي تصنع مشروعًا جادًّا. كان الذكاء الاصطناعي حاضرًا في القاعة بوصفه مُنقذا تسويقيا، وكانت العربية غائبة باعتبارها مسؤولية. وفي نهاية المؤتمر، لم أرَ أزمة تقنية بقدر ما رأيتُ أزمة إدارة. دخلتِ التقنيةُ إلى العربيةِ بوصفِها رافعةً للجودة، فإذا بكثيرين يستقبلونها لا لتحسينِ الكتابة، وإنما لتقنينِ الكسل، وكأنّ ضغطةَ زرٍّ أصبحت بديلًا من عناءِ بناءِ المعنى. نعم، تُحسنُ التقنيةُ خدمةَ النصّ حين تفضحُ تكرارَه، وتلتقطُ ركاكتَه، وتكشفُ اضطرابَ الإحالة فيه، وتضبطُ تشتّتَ مصطلحاته، وحين تختبرُ اتّساقَه وتُسرّعُ مراجعتَه من غير أن تصادرَ صوتَ الكاتب أو تعبثَ بمنطقِ حجّتِه. لكنّها، بالمقدار نفسه، تفضحُ خواءَ الكتابة حين تُختزلُ إلى آلةِ تلميعٍ لِجُملٍ حسنةِ الهيئة، سيّئةِ الجدوى، سليمةِ الظاهر، خاويةِ الأثر؛ جُملٍ تلمعُ كما تلمعُ الواجهاتُ الرخيصة: بريقٌ كثير، وقيمةٌ قليلة. والأسوأ أنّها تُسوّي بين المقامات، وتمنحُ أصحابَها وَهْمَ الإنجاز قبل أن تكتملَ الفكرة، فيخرجُ النصُّ مهندمًا مثل موظّفِ استقبال. أمّا العربيةُ فلا تنخدعُ بهذه السرعةِ المتبخترة؛ لأنّها لغةٌ لا تُسلِّمُ معناها لمن يصلُ أولًا، وإنما لمن يُحسنُ الترتيبَ، ويزنُ المقامَ، ويُحكمُ الإحالةَ والغاية. لذلك لا وزنَ عندها لسَلامةِ النَّحْو إذا خانتِ العبارةُ المعنى، ولا قيمةَ لفصاحةٍ مصطنعةٍ إذا أخطأَ الكلامُ مَقصدَه.
من السذاجةِ حقًّا أن يُمنحَ لقبُ “فهمِ العربية” لأداءٍ لا يعرفُ من اللغةِ إلا ما تعرفه الآلةُ من جدولِ الضَّرب: دقّةٌ حسابيةٌ بكماء، وعجزٌ فادحٌ عن لمسِ المقام، والدلالة، والنبرة. والأشدُّ هزلًا أن تُختزلَ العربيةُ، وهي أعرقُ من أن تُهانَ بهذا التبسيط، في صحّةِ الإعراب وحدها؛ كأنّ الجملةَ إذا استقامت نحويًّا غُفرَ لها أن تكونَ ميّتةَ المعنى، باردةَ الأثر، فاقعةَ الاصْطناع. لذلك فالسؤالُ ليس: هل تُنطقُ الآلةُ العَربية؟ وإنما: هل بقيَ منْ يفهمُ العربيةَ أصلًا حتى يميّزَ بين كلامٍ موزونٍ بالحياة، وكلامٍ مُصفَّفٍ مثلَ جثةٍ نحوية؟ وهل تحتاجُ العربيةُ إلى لسانٍ آليٍّ يتكلّمُ عنها، أم إلى عقلٍ يعيدُ للكتابةِ هيْبتَها، وللتعبيرِ كرامتَه؟
لنتأملْ؛ وإلى حديث آخر.
The post لا تحتاجُ العَربيّةُ تَبْسيطًا.. appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.