لا شيء يبرر عقدة الدولة تجاه المعطي منجب
مرة أخرى، يجد المؤرخ والأستاذ الجامعي المعطي منجب نفسه وجهاً لوجه مع الحدود التي ترفض أن تفتح له أبوابها، ومرة أخرى، لا يجد الرجل من سلاح يشهرُه في وجه هذا المنع سوى أمعائه الخاوية.
المتابع لكرونولوجيا المواجهة بين منجب والسلطة، يكاد يفقد القدرة على إحصاء عدد المرات التي مُنع فيها المعطي من مغادرة التراب الوطني، أو عدد المرات التي أعلن فيها دخوله في إضراب عن الطعام احتجاجاً على وضعه تحت إقامة جبرية غير معلنة.. ففي مغرب 2026 دخلنا مرحلة استنزاف المعنى؛ لأنه حين يتحول المنع إلى روتين والاحتجاج إلى عادة، يفقد الحدث أهميته وتتحول المأساة، بمرارة شديدة، إلى نوع من العبث المثير للشفقة، لهذا، فإننا لا نملك في آخر المطاف إلاّ أن نتمثّل الحكمة الفرنسية التي تقول : «لحسن الحظ أن العبث لا يقتل»؛ لأنه لو كان للمهزلة مفعول الرصاص، لما كنا اليوم هنا لنكتب، مرة أخرى، عن هذا التكرار الممل.
دعونا نطرح السؤال بشكل مباشر ودون لفّ أو دوران : ما الذي يجعل الدولة تغضب إلى هذه الدرجة، ولأزيد من 11 سنة، على أستاذ جامعي يدرّس التاريخ ويؤلف الكتب ويكتب المقالات ؟ ما الذي يملكه المعطي منجب، عدا قلمه وصوته وتنقيباته في أرشيفات الماضي، لكي يظلّ مادة دسمة لعناد سلطوي لا يلين، كأن استقرار البلد معلّق بختم خروجه من المطار ؟
الحقيقة هي أن استمرار هذا “البلوكاج” في حق المعطي، رغم استفادته من عفو ملكي في يوليوز 2024، يتجاوز منطق المحاسبة القانونية ويدخلنا في متاهة الشخصنة السياسية التي لا تليق بدولة تعمل على تسويق صورة عصرية عن مؤسساتها.. فأن تظل الدولة مسكونة بهاجس منع مؤرخ من السفر لأزيد من عقد، هو اعتراف ضمني بأن “فوبيا” الكلمة ما تزال أقوى من كل خطابات الانفتاح والديمقراطية التي تلوكها في الداخل والخارج.
صحيح أن جهات نافذة في الدولة لا تروقها تصريحات منجب وكتاباته في السياسة، لكن، وبعد كل هذه السنوات العجاف، ألم تدرك هذه الجهات بعد، أن التسامح مع منجب وأمثاله هو أكثر نفعاً لصحة الدولة ولصورة المغرب ؟ ألم تنتبه هذه الجهات إلى أنه، في ظل التضييق على صوت المعطي الذي يتحدث من موقع رصانته الأكاديمية وخلفيته التاريخية، فَتَحَت في المقابل الأبواب على مصراعيها لأصوات هجينة، لا تملك من الفكر نقيراً، تخصصت في الهجوم على مؤسسات البلد ورموزها بأسلوب ذميم يفتقر لأدنى أدبيات اللياقة والاحترام ؟
الدولة من حقها أن تغضب نعم، ومن حقها أن تعبر عن ذلك وتتصرف في نطاق ما تتيحه لها سلطتها وقوتها من نفوذ، لكنها في المقابل، مطالبة في بعض الأوقات بمراجعة حساباتها ومواقفها، لأن التكرار هو أسوأ ما يمكن أن يسقط فيه سلوك السلطة.. فأن تعيد الدولة إشهار نفس “الفيتو” ضد نفس الشخص، لأزيد من 10 سنوات، هو في الحقيقة استنزاف مجاني لهيبة الدولة ومؤسساتها، وتحويل لملف حقوقي عادي إلى قضية رأي عام دولية يتم استغلالها لجلد المملكة في المحافل الحقوقية في واشنطن وجنيف وبروكسيل.
إن الدولة القوية، في عرف التاريخ والسياسة، هي تلك التي تملك “ترَف” التجاوز والترفع عن المعارك الصغيرة، وتفهم جيداً أن احتواء المثقف المشاكس، بمرارة نقدِه، هو أقل كلفة بكثير من صناعة “بطل تراجيدي” يتغذى من المنع والتضييق.. ولكن الحقيقة المُرّة هي أننا اليوم لا نؤدي فقط ثمن غضب الدولة على المعطي، بل ندفع أيضاً ضريبة الإصرار العجيب على الاستمرار في نهج أثبتت الأيام والشهور والسنوات عُقمَه وإفلاسه.
رجاءً، اتركوا المعطي منجب يسافر ويعود، اتركوه يملأ جواز سفره بأختام المطارات عوض أن يملأ العالم ببيانات الإضراب عن الطعام؛ ففي الأخير، لن يسقط سقف الوطن إذا غادر المعطي للمشاركة في ندوة بباريس، لكنه قد يتصدع فعلاً حين تظهر الدولة، بكل تاريخها وثقلها وهيبتها، وكأنها تخوض حرب داحس والغبراء ضد حقيبة سفر.
[21:48, 30/03/2026] Ali Anouzla: