"لبنان الكبير"… هل بقي كبيراً؟
قد يكون التداخل والتمازج بين الصفة الدينية المتصلة بتطويب البطريرك إلياس الحويك والصفة الوطنية الغالبة على سيرته التاريخية باعتباره الأب العراب الأكبر لـ"لبنان الكبير " أقرب الخصائص التي تلتصق بالموارنة تاريخيا، اذ إنهم يعتدون بتاريخ لا يفصل الهوية الوطنية اللبنانية عن الخصائص الدينية للطائفة المؤسسة للكيان الاستقلالي اللبناني. لذا يخرج تطويب البطريرك الحويك، قليلاً، عن الحيز المترامي للتطويبات لدى الكنيسة المارونية والمسيحية ليلامس عصباً حديثاً محدثاً لا يمكن عزله عن الظروف الراهنة المأزومة المعقدة والشديدة الخطورة التي يجتازها لبنان كلا ما دام حفل التطويب بدا اعترافاً لبنانيا عارما، جميلا وعذبا، بخصائص تمزج القداسة بالبطولة الوطنية العابرة للأبعاد والدلالات الدينية. وهو أمر يأخذ اللبنانيين إلى موقع خطر لا يقاربونه إلا نادرا، ولعله أقرب إلى سؤال يتلازم طرحه في حقبات متعاقبة، فكيف اليوم، وهو أين هو وأين صار والى أين يسير ذاك الـ"لبنان الكبير"؟
والحال أن مقاربة ومعاينة حال لبنان الكبير بعد 106 أعوام على تأسيسه، باتت بغير المعايير والمفاهيم والرؤى والقيم التي قام على أساسه إلى حدود تخيف ذوي "الإيمان"- ما دمنا في مناخ يمزج الروحي بالسياسي والوطني- بأن وحدة لبنان الجغرافية كما الوطنية المتعددة الطوائف، أعصى على الشدائد والأخطار الضخمة التي واجهتها وتواجهها. يستند هؤلاء "المؤمنون"، من كل الطوائف والاتجاهات والمناطق والأجيال في لبنان وديار الانتشار، إلى معايير التجارب والمعموديات التي تناوبت على لبنان، في ازمنة الحروب والاحتلالات والوصايات كما في ازمنة السلم، ليخرجوا بالحكم "المطمئن" إلى ان لبنان ذاك الذي كان في حقبة الاستقلال قبل اشتعال حقبات الحروب في السبعينات وما تلاها تباعا، لم يعد يحتاج إلى امتحانات وجودية لإثبات انه أعصى من ان يتحجم او يقسم او تتبدل جغرافيته او يتعرض لقضم احتلالي من جيرانه الشرهين جنوبا وشرقا. كل هذا "الإيمان الوجداني" لا يحتمل أصحابه كثيرا مقاربات ممعنة في الواقعية القاسية، من مثل ان الوحدة بمفهوم "لبنان الكبير" في زمن قيامه، تكاد تكون دفنت بعد احتضارها إلى أخطر منسوب في تاريخ لبنان الكيان. إذا كان لبنان الكبير يعني الوحدة الكلاسيكية التي لا خروج فيها لاي طائفة او جهة او جماعة او فئة على ثوابت لبنانية متأصلة تنحو بقوة نحو "تقديس" السيادة، اسوة بتقديس البطريرك الحويك، فان واقع لبنان منذ ما قبل الطائف وبعده قد سحق هذا المفهوم التقليدي الصارم سحقا يثبته تفسخ المفاهيم الوطنية إلى حدود التقسيم الواقعي النفسي بعد الحرب التي شهدت تقسيما جغرافيا لا يزال يجرجر الكثير من وقائعه حتى الساعة.

ولكن تجربة تنفيذ الطائف فشلت بالممارسات التي تناوبت عليها طبقات سياسية استنفدت معاجم الوصف السلبي، في أي ترميم عميق وجذري لما كان يوما وحدة صارمة كلاسيكية أيام رعيل جيل الاستقلال الأول ومثقفيه وفلاسفة تقديس لبنان المتوهج بوحدته ضمن تعدديته. بلغنا اليوم أسوأ الأخطار الوجودية إطلاقاً، مع تشلع "هويات" طائفية إذا صح التعبير، اذ صارت الارتباطات الخارجية لدى فئات لبنانية هي الهوية الوطنية لا الانتماء إلى لبنان. وبذلك تتعمق نزعات الفيدرالية بما لا يمكن اطلاقا مناهضتها متى غدت مفهوما توحيديا وحيدا أمام تهور الارتباط الخارجي إلى حدود التضحية بلبنان الهوية والنظام والوطن على مذبح مصالح إقليمية. "لبنان الكبير" ذاك، هل ترونه؟