لبنان والالتزام الضريبي: شبهات في بعض المدارس الخاصة والدينية منها تطرح سؤال الرقابة
ميلاد رفقة – باحث اقتصادي
لم يعد ملف الالتزام الضريبي مجرد مسألة إدارية، بل أصبح قضية مرتبطة مباشرة بقدرة الدولة على الاستمرار. فكل إيراد لا يدخل إلى الخزينة نتيجة ضعف الرقابة أو توسع الاقتصاد غير المنظم يعني موارد أقل للتعليم الرسمي، والصحة، والبنية التحتية، والحماية الاجتماعية.
وتأتي مسألة الشفافية المالية في بعض المدارس الخاصة والدينية ضمن هذا الإطار الاقتصادي العام. فالمطلوب ليس توجيه اتهامات إلى قطاع كامل أو التشكيك بدور المؤسسات التعليمية، بل طرح سؤال أساسي في دولة القانون: هل تخضع جميع المؤسسات، مهما كانت طبيعة رسالتها أو مرجعيتها، للمعايير المالية والقانونية نفسها؟
فتُظهر المؤشرات الاقتصادية أن الدولة اللبنانية ما زالت تواجه تحدياً كبيراً في تعبئة الموارد. فوفق بيانات وزارة المالية اللبنانية، تعتمد موازنة 2026 بشكل أساسي على الإيرادات الضريبية التي تشكل نحو 82% من إجمالي الإيرادات المقدرة، ما يعكس أهمية النظام الضريبي في تمويل الدولة.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن الاقتصاد اللبناني يعمل منذ سنوات ضمن بيئة يطغى عليها النقد والأنشطة غير المنظمة. وقد أشار البنك الدولي إلى أن الاقتصاد النقدي بالدولار بلغ نحو 9.9 مليارات دولار عام 2022، أي ما يعادل نحو 45.7% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يزيد صعوبة تتبع النشاط الاقتصادي وضمان وصول الضرائب المستحقة إلى الدولة.
كما أن حجم الاقتصاد اللبناني نفسه بقي محدوداً مقارنة بما كان عليه قبل الأزمة؛ فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 25.97 مليار دولار عام 2024، بينما بقيت آثار الانهيار المالي واضحة على مستوى الاستثمار والاستهلاك والقدرة الشرائية.
في التحليل الاقتصادي، لا يُنظر إلى التهرب الضريبي باعتباره مجرد نقص في الإيرادات، بل باعتباره عاملاً يضر بمبدأ العدالة الاقتصادية.
فعندما تلتزم مؤسسة ما بدفع الضرائب والرسوم المطلوبة، بينما تستفيد مؤسسة أخرى من البيئة الاقتصادية نفسها دون الالتزام الكامل، فإن ذلك يؤدي إلى تشويه المنافسة وخلق حوافز سلبية داخل السوق.
كما أن ضعف التحصيل الضريبي يحد من قدرة الدولة على مواجهة الأزمات الاجتماعية. فالبنك الدولي أشار إلى أن الفقر في لبنان ارتفع بشكل كبير خلال الأزمة، مع وصوله إلى مستويات غير مسبوقة مقارنة بالفترات السابقة.
لا شك أن المدارس الخاصة، ومنها المدارس الدينية، تلعب دوراً أساسياً في النظام التعليمي اللبناني، وتستوعب نسبة كبيرة من الطلاب. وهذا الدور يجعل مسألة الحوكمة المالية داخل هذا القطاع قضية وطنية وليست مجرد ملف إداري.
فالرسالة التعليمية والاجتماعية لأي مؤسسة هي أمر مهم، لكنها لا تلغي المسؤولية القانونية. فالمؤسسات التعليمية تحتاج، كما غيرها من المؤسسات الاقتصادية، إلى معايير واضحة في الإدارة المالية، والتصريح عن النشاط الاقتصادي، والالتزام بالقوانين الضريبية.
والقاعدة الاقتصادية بسيطة: الاستثناءات تضعف الدولة، بينما المساواة أمام القانون تقويها.
أين دور الجهات الرقابية؟
إن معالجة أي شبهات مرتبطة بالالتزام الضريبي تحتاج إلى مؤسسات قوية وتنسيق فعلي بين الجهات المختصة.
فوزارة التربية والتعليم العالي تضطلع بمسؤولية تنظيم ومراقبة قطاع التعليم الخاص ضمن صلاحياتها، بينما يبقى الملف الضريبي من اختصاص وزارة المالية والإدارة الضريبية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود القوانين، بل في قدرة الدولة على تطبيقها. فالدولة الحديثة لا تعتمد على الرقابة التقليدية فقط، بل تستخدم البيانات والتحول الرقمي وربط المعلومات بين الإدارات لكشف الفجوات وتعزيز الامتثال.
والسؤال الأوسع هو: هل تمتلك الدولة اللبنانية القدرة على ضمان أن يكون القانون واحداً على الجميع؟