لماذا أخفقت الإدارات الأميركية المتعاقبة في التعامل مع بوتين؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

يسلط الكاتب بارتون سوايم في مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، على أن الإدارات الأميركية المتعاقبة، سواء الجمهورية أو الديموقراطية، أخفقت مرارا في قراءة دوافع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ تعاملت معه انطلاقا من افتراض أنه يتحرك وفق مفاهيم المصالح القومية والحسابات السياسية السائدة في الغرب، بينما تشير دراسات حديثة إلى أن رؤيته للعالم تستند إلى منطلقات مختلفة بشكل جوهري.

واستند سوايم، إلى كتاب حديث بعنوان "حلم الشاعر القيصري" للمؤرخة بياتريس دي غراف والباحث نيلز دروست، خلص مؤلفاه إلى أن بوتين لم يعد يرى نفسه مجرد رئيس لدولة روسية حديثة، بل يعتبر ذاته امتدادا تاريخيا للقياصرة الذين حكموا الإمبراطورية الروسية، حيث امتزجت رؤيته السياسية بأبعاد دينية أرثوذكسية وتصورات تاريخية ذات طابع إمبراطوري.

ويشير المقال إلى أن بوتين يربط شرعيته التاريخية بصورة أكبر بشخصيات قيصرية بارزة مثل بطرس الأكبر وكاترين الكبرى والإسكندر الأول، أكثر مما يربطها بإرث الاتحاد السوفييتي أو الفكر الشيوعي. ويستند الباحثان في ذلك إلى تحليل آلاف الخطب والتصريحات التي أدلى بها منذ وصوله إلى السلطة عام 1999، والتي تكشف عن حضور متزايد للمرجعية القيصرية الروسية مقارنة بالتاريخ السوفييتي.

 

الاحتجاجات الواسعة  2011

وبحسب ما أورده الكتاب، شهد خطاب بوتين تحولا ملحوظا عقب الاحتجاجات الواسعة التي واجهها عام 2011، إذ اتجه منذ ذلك الحين إلى تبني مفاهيم دينية وقومية محافظة بصورة أوضح، وأصبح يتحدث بشكل متكرر عن الصراع بين الخير والشر، وعن روسيا باعتبارها قوة أخلاقية وروحية تواجه أخطارا خارجية.

ويلفت المقال إلى أن بوتين كان في سنوات حكمه الأولى يتبنى خطابا إيجابيا تجاه التعاون مع أوروبا، إلا أنه توصل لاحقا إلى قناعة مفادها أن الغرب لم يمنح روسيا المكانة التي يرى أنها تستحقها، ما دفعه إلى تبني خطاب أكثر قومية وتركيزا على استعادة أمجاد روسيا التاريخية.

كما يشير المقال إلى أن بعض المقربين من الرئيس الروسي باتوا يستخدمون مفاهيم لاهوتية أرثوذكسية قديمة لوصف دوره، ومن أبرزها مفهوم "كاتيكون" أو "المُقيِّد"، وهو مصطلح ديني يرمز إلى شخصية أو سلطة تحول دون انتشار الفوضى والشر في العالم.

وبحسب أنصار بوتين من التيار القومي، فإنه يجسد هذا الدور من خلال الدفاع عن روسيا في مواجهة ما يعدونه انحلالا أخلاقيا أو تهديدات حضارية صادرة عن الغرب.

ويرى المقال أن هذا الإطار الفكري يساعد في تفسير لجوء مسؤولين روس بارزين إلى استخدام لغة دينية عند تبرير الحرب في أوكرانيا، بما في ذلك الحديث عن "الشيطانية" أو خوض معركة روحية ضد قوى الشر. ورغم أن هذه المصطلحات تبدو غير مألوفة للمتابعين الغربيين، فإنها تنسجم مع بعض التوجهات الفكرية السائدة داخل الأوساط الأرثوذكسية الروسية والقومية المعاصرة.

 

ترامب وبوتين (أرشيفية)

 

فهم سلوك بوتين

ويتناول المقال أيضا مسألة "العقلانية" في فهم سلوك بوتين، مشيرا إلى أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الرئيس الروسي يتصرف بعقلانية أم لا، بل كيفية إدراكه للعالم والمنطلقات التي يبني عليها قراراته.

وفي هذا السياق، يوضح المقال أنه إذا كان بوتين يؤمن فعلا بأن روسيا تمثل قوة إمبراطورية تاريخية، وأن كييف تشكل جزءا محوريا من هويتها الحضارية والدينية، فإن سياساته التوسعية تصبح منطقية ضمن هذا التصور الفكري، حتى وإن بدت غير مبررة أو غير عقلانية من منظور غربي.

وتطرح الباحثة تساؤلا بشأن ما إذا كان بوتين يوظف هذه اللغة لأهداف سياسية فحسب أم أنه يؤمن بها فعليا. وتجيب بأن الجزم بما يدور في ذهنه أمر غير ممكن، إلا أن التوافق المستمر بين خطابه وسلوكه على مدى أكثر من ربع قرن يوحي بأنه بات مقتنعا بهذه الأفكار إلى حد كبير.

كما يلفت المقال إلى أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، رغم تبنيه مواقف متشددة تجاه روسيا في بعض المراحل، لا يزال يقع أحيانا في خطأ افتراض أن بوتين يعتبر السلام غاية قائمة بذاتها، بينما يرى الكاتب أن دوافع الزعيم الروسي أكثر تعقيدا وارتباطا بتصوراته التاريخية والدينية حول هوية روسيا ومكانتها العالمية.

ويؤكد المقال أن الإدارات الديموقراطية وقعت بدورها في الخطأ ذاته، مستشهدا بمحاولة "إعادة ضبط العلاقات" التي قادتها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون عام 2009، وكذلك بردة فعل وزير الخارجية الأسبق جون كيري عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، عندما افترض أن قواعد النظام الدولي الحديث ستكون كافية لردع موسكو.

ويختتم المقال بالتحذير من احتمال تكرار هذا الخطأ مستقبلا، إذا استمرت القيادات الأميركية في الاعتقاد بأن الضغوط الاقتصادية والعسكرية ستدفع بوتين إلى التراجع وفق حسابات المصلحة التقليدية، في حين أنه قد يكون مستعدا لتحمل أثمان أكبر بكثير مما يتوقعه خصومه، انطلاقا من اعتقاده بأنه وريث للقياصرة وحامل لرسالة تاريخية ودينية.  

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية