لماذا تتكرر مواجهة "المشروطة" و"المشروعة" في إيران اليوم؟
طالما أن مجتمعاً لا يزال منشغلاً بإحياء حدثٍ وقع قبل 120 عاماً، فهذا يعني أنه لا يزال يبحث عن شيء مفقود لم يتحقق بعد. وهذه هي حال إيران التي تحيي هذه الأيام ذكرى الثورة الدستورية (جنبش مشروطة)، التي وقعت في العهد القاجاري، وانتهت باستجابة الشاه مظفر الدين لمطالبها، وتوقيعه على فرمان إنشاء مجلس الشورى الوطني في 6 آب/أغسطس 1906، بما أقرّ مشاركة الشعب في شؤون الحكم، بدلاً من احتكار السلطة في يد فرد.
كان هدف الحركة الدستورية كسر الجمود الذي عانت منه إيران، والذي أدى إلى رجعيتها وترسيخ الاستبداد السياسي والديني معاً. ومن هنا ظهرت معارضة لحركة "المشروطة"، عُرفت باسم "المشروعة"، تزعّمها رجال دين برروا رفضهم بدعوى حماية الشريعة الإسلامية ومواجهة التقاليد الغربية. لكن جوهر الصراع كان أعمق من ذلك؛ إذ يُمثّل إسقاط سلطة الفرد والانتقال إلى سلطة القانون والمؤسسات تهديداً للنظام الأبوي القائم على الحكم المطلق، الذي لا يسمح بالتغيير.
معركة مستمرة مع الاستبداد
لا تزال المعركة مع الاستبداد مستمرة في إيران. فإن كانت هناك تيارات وشخصيات سياسية في العالم العربي مفتونة بنموذجها، فإنها لم تسمع شهادة أهلها، إذ تكشف الوقائع أن هجرة العقول، والافتتان بالنماذج الغربية، والرغبة في تغيير النظام، كلها مظاهر لأزمة استبداد سياسي هناك. كما أن الصراع السياسي والفكري بين الإصلاحيين والمحافظين اليوم يشبه الصراع بين "المشروطة" و"المشروعة" في العهد القاجاري، أي صراع بين تيار يبحث عن التغيير والنهضة وأخر مشغول بمخاوفه ومصالحه.
فالمحافظون يهيمنون على البرلمان ويُقصون أصوات الإصلاحيين، بما يعكس ضعف صوت الشعب أمام نفوذ مؤسسة المرشد الأعلى والقاعدة المحافظة التي تستند إلى رجال الدين والعسكريين. بل وصل الأمر إلى ممارسة ضغوط على الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان لدفعه إلى الاستقالة، رغم انتخابه مباشرة من الشعب، بما يكشف اتساع الفجوة بين الشرعية الانتخابية والنفوذ غير الخاضع للمساءلة.
ولم يتوقف الأمر عند تحدي سلطة الرئيس، بل امتد إلى إضعاف مكانة القانون والمؤسسات التي أرست الثورة الدستورية قواعدها. ففي الوقت الذي علّقت فيه السلطات تنفيذ قانون "الحجاب والعفة" لتجنب اضطرابات اجتماعية جديدة، عادت شرطة الأمر بالمعروف إلى ملاحقة الشركات والمحلات والمقاهي التي تسمح لروادها بحرية الحجاب، في وقت تحتاج فيه إيران إلى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي أكثر من أي وقت مضى. لكن هؤلاء المتشددين يستقوون بالمهووسين بالروايات الدينية التي تدور حول انتظار إيران لإمام آخر الزمان، وأن سوء الحجاب يمنع من ظهوره!
لذلك، لا يمكن الجزم بأن معركة الإيرانيين مع الاستبداد انتهت بثورة 1979 التي أسقطت نظام الشاه وأقامت "الجمهورية الإسلامية" وحُكم الولي الفقيه والملالي. فلو كانت تلك المعركة قد حُسمت، لما ظل الإصلاحيون يستحضرون أهداف الثورة الدستورية حتى اليوم.
وليس من المصادفة أن يصف بزشكيان الثورة الدستورية بأنها "مسار متجدد ومستمر"، ورمزاً ليقظة الشعب الإيراني وتطلعه إلى الحرية والاستقلال وسيادة القانون والتنمية. وهي رسالة، في جوهرها، إلى المؤسسات التي تستأثر بالسلطة والقوى التي لا تزال تدعم استمرار الاستبداد.
من هنا، تبدو استعادة الثورة الدستورية أكثر من مجرد احتفال بذكرى تاريخية؛ فهي اختبار مستمر لمعنى الدولة الحديثة في إيران، وحدود سلطة المؤسسات المنتخبة في مواجهة المؤسسات غير المنتخبة. فالمشكلة ليست في غياب النصوص القانونية والمؤسسات، بقدر ما تكمن في اختلال توازن القوة، حينما تستطيع مراكز النفوذ تجاوز القانون أو تعطيل إرادة الناخبين. ولهذا ارتكزت نقاشات الإصلاحيين خلال هذه الأيام حول سؤال: "لماذا فشلت الثورة الدستورية في إيران؟".