لماذا تميل الكتابة بالذكاء الاصطناعي إلى الوعظ؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

ربما ليس من السهل التمييز بين النص الذي يكتبه الإنسان وذلك الذي تنتجه نماذج الذكاء الاصطناعيبالاعتماد على مؤشرات لغوية أو علامات أسلوبية متكررة، إذ تتطور هذه النماذج باستمرار، وتزداد قدرتها على محاكاة الكتابة البشرية. لذلك، فإن الفارق الحقيقي لا يظهر في شكل الكتابة، بل في مصدرها؛ فالكاتب البشري يكتب انطلاقاً من تجربة شخصية ورؤية إلى العالم، بينما تنتج النماذج اللغوية نصوصها من خلال توقّع الكلمة التالية اعتماداً على الأنماط التي تعلّمتها من مليارات النصوص.

 

في هذا السياق، يستعرض مقالٌ، نشرته مجلة The Atlantic، تجربة تبحث في السمات العميقة للكتابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن البحث عن علامات شكليّة للكشف عن النصوص الآلية يشبه الاعتقاد السائد في أواخر القرن التاسع عشر بأن ملامح الوجه وحدها تكشف شخصية الإنسان أو ميوله الإجرامية. فكما ثبت خطأ تلك الفكرة، لا يمكن الجزم بأن تركيباً لغوياً معيّناً أو علامة ترقيم بعينها يكشفان أن النص من إنتاج آلة.

 

يؤكد المقال أيضاً أن لكلّ كاتب بشريّ أسلوباً يعكس شخصيته وتجربته الخاصة، مستشهداً بالفارق بين جين أوستن وتشارلز ديكنز، اللذين برعا في الكتابة الساخرة، إلا أن كلاً منهما قدّم عالماً مختلفاً يعكس خلفيته الاجتماعية وتجربته الحياتية. أما النماذج اللغوية فلا تمتلك ذاتاً أو تجربة شخصية، ولذلك لا تملك أسلوباً ثابتاً بالمعنى الإنساني، بل تستطيع إعادة صياغة الفكرة نفسها بصور متعدّدة، لأنها تعتمد على حساب احتمالات ظهور الكلمات معاً استناداً إلى ما تعلّمته من النصوص.

 

شعار شات جي بي تي (مواقع)

 

وللتحقق من ذلك، أجرى كاتب المقال سلسلة من التجارب مع "شات جي بي تي"، طالباً منه تأليف قصص بأساليب مختلفة. وفي معظم الحالات بدأ النموذج بقصص أقرب إلى الحكايات الرمزية أو عوالم الخيال، وكأنه يفترض أن القصة ينبغي أن تنقل القارئ بعيداً عن واقعه. وعندما طلب إليه كتابة قصة عن انتصار الشرّ، نسج حكاية تدور حول مدينة تتحكم بمصيرها ساعة عملاقة، قبل أن تنتهي القصة برسالة تحذّر من التفريط في الحرية.

 

لم تتغير النتيجة حتى بعد مطالبة النموذج بإعادة كتابة القصة بأسلوب أكثر أدبية، ثم بصياغة تستلهم عالم جين أوستن؛ فقد تبدّلت اللغة والتفاصيل والمشهد العام، بينما بقيت البنية الأخلاقية للنص على حالها، إذ انتهت القصة إلى استخلاص عبرة واضحة. ثم تكرّر الأمر في قصص أخرى، منها حكاية ضفدع يحلّ لغزاً لأنه أحسن الاستماع إلى الآخرين، وأخرى عن حارس منارة يرفض مكافأة الملك لأن مساعدة الناس هي المكافأة الحقيقية. وحتى عندما طُلب إلى النموذج كتابة قصة أكثر واقعية وأقلّ مثالية، عاد في خاتمتها إلى تقديم حكمة عامة، بما يعكس نزعة واضحة إلى الوعظ.

 

يرى المقال أن هذا الميل لا يعود إلى رغبة الذكاء الاصطناعي في إرضاء المستخدم، لأنه لا يمتلك رغبات أو دوافع، وإنما إلى طبيعته القائمة على إعادة إنتاج الأنماط الأكثر شيوعاً في النصوص التي تدرب عليها. لذلك تبدو رسائله مألوفة وأفكاره تقليدية، لأنها تعكس ما يتداوله البشر باستمرار في القصص والمقالات والخطب والنصوص اليومية.

 

ويشير المقال إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى تقبّل الأفكار المألوفة، في حين تبدو الأعمال الإبداعية الجديدة غريبة عند ظهورها لأنها تكسر القوالب السائدة وتقدّم رؤية مختلفة للعالم. من هنا، يخلص إلى أن الإبداع الأدبي الحقيقي لا يقوم على إتقان اللغة وحدها، بل على القدرة على التعبير عن تجربة إنسانية لا يمكن اختزالها في الأنماط اللغوية أو استنتاجها إحصائياً.

 

ويختتم المقال برؤية متفائلة مفادها أن انتشار الكتابة الآلية قد يشكّل فرصة للأدب أكثر منه تهديداً له. ويقارن ذلك بما أحدثه اختراع التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر، حين تحرر الرسم من مهمة توثيق الواقع، واتجه إلى ابتكار مدارس فنية جديدة. وبالمثل، قد يدفع الذكاء الاصطناعي الكتّاب إلى التركيز على ما لا تستطيع الآلة إنتاجه: التجربة الإنسانية، والرؤية الفردية، والقدرة على التعبير عن العالم من الداخل.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية