لماذا يصعّد "حزب الله" تهديداته للحكم... ما لم يعد النظر في إجراءته ضد إيران؟
عشية زيارة رئيس الجمهورية جوزف عون لواشنطن، بدا واضحاً أن "حزب الله" أطلق حملة سياسية - إعلامية شرسة ضد الرئاسة الأولى، إذ أحصي صدور مواقف متتالية لرموز الحزب، بدأها النائب حسن فضل الله بتلاوة بيان مدروس من منبر الإعلام في مجلس النواب، لتتعاقب التصريحات المرتكزة على فكرة واحدة هي التحذير من مغبة ذهاب الحكم في رحلة التحدي للحزب.
كان الأمر منتظراً ومألوفاً، منذ أن صمّ الحكم آذانه عن تحذيرات الحزب من "خطر" المضي في المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، ومن ثم قبول اتفاق الإطار الثلاثي وبعدها الشروع في إنفاذ مندرجاته. لكن الجديد أخيرا هو تصعيد الحزب بلسان أحد قيادييه التاريخيين محمود قماطي ضد "التعامل السلبي للسلطة مع إيران"، وذلك عندما أطلق موقفا دعا فيه إلى "تصحيح العلاقة مع إيران قبل أن ينفد صبرنا".
وفي معرض الإيضاح قال: "إن إعطاء الإيرانيين (الزوار) والديبلوماسيين التأشيرات أصبح ممنوعا".
وأعاد التذكير بطلب وزارة الخارجية اللبنانية مغادرة الديبلوماسي الإيراني الذي سمّته سلطات بلاده سفيرا في بيروت، وقبلها بمنع هبوط الطيران الإيراني في مطار بيروت وفرض الحصول على تأشيرات مسبقة للزوار الإيرانيين للبنان، ليخلص إلى إطلاق تهديد باللجوء إلى خطوات تصعيدية ما لم يصحح الوضع، عندما قال: "نحن صابرون حتى يجدوا حلا، وإلا فهناك أساليب كثيرة سلمية، فلن يبقى طيران يهبط في بيروت ولا سفير يبقى في لبنان".
تهديد مكشوف
المألوف والمعروف أن قماطي الذي ينطق بهذا الموقف هو الصوت الراعد في الحزب، إذ يكلَّف إطلاق الخطابات التصعيدية كلما دعت الحاجة عند قيادة الحزب، لكن اللافت أنها المرة الأولى يهدد الحزب على هذا النحو المكشوف وبلغة التحدي تلك، بإجراء يمنع هبوط أي طيران في المطار، ما لم يعطَ الطيران الإيراني مجددا الإذن بالهبوط، كما يهدد بإجراء سلمي يفضي إلى طرد السفراء من لبنان ما لم يمنح السفير الإيراني الاعتماد اللازم للبقاء ومزاولة مهماته الديبلوماسية، ما يعني أن الحزب عازم على البدء بمرحلة مواجهة سياسية خشنة.
ثمة ولا ريب من يربط تصعيد قماطي هذا بالمواقف الحادة التي أطلقها قبل فترة قصيرة رموز الحزب الذين اعتادوا النطق بلسانه، غداة سفر الرئيس جوزف عون إلى واشنطن، وهذا ما يندرج في سياق حملة تصعيد وقائي مطلوبة استباقا لأي خطوات أو اتفاقات أو تعهدات يحتمل أن يقدم عليها عون إبان لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسؤولين آخرين، وذلك في إطار الخطوات العملانية لتنفيذ اتفاق الإطار الثلاثي الذي سبق أن رفضه الحزب بشدة، معلنا عدم التزامه أيا من مندرجاته الميدانية في الجنوب.

أبعاد أخرى
على وجاهة هذا الاستنتاج، يرى مقربون من الحزب أن كلام قماطي له بعد آخر ووظيفة مختلفة، وتحديدا منذ أن بدأ الحزب يستشعر أن الحكم اللبناني يبذل جهودا لـ"اجتثاث" كل أشكال الحضور الإيراني من المشهد السياسي اللبناني، خدمة لهدف محوري هو تطويق الحزب توطئة لإحكام حلقات الحصار عليه وتفكيك قاعدتي ارتكازه الأساسيتين، وهما منظومته العسكرية وبنيته الاجتماعية والتربوية والمالية والخدماتية.
عند دوائر الحزب المعنية وقائع ومعطيات مفادها أن الدعم الإيراني السخي والمتنوع للحزب هو أحد عوامل قوته وحضور مؤسساته في عمق البيئة الشيعية الحاضنة، وعليه لم يكن غريبا أن يرتفع منذ زمن شعار عند مناهضي الحزب يدعو إلى فعل المستحيل لإيجاد هوة تبعد الطائفة الشيعية عنه، والمدخل هو سد كل الأبواب أمام أشكال الدعم الإيراني له الذي كانت فاتحته منع هبوط الطيران الإيراني، لتتوسع وتمتد وتتجذر أكثر لاحقا. وكانت ذروة الإجراءات المتدرجة تلك، قرار طرد السفير الإيراني من لبنان، والذي رفضته الطائفة الشيعية معتبرة إياه تحديا سافرا لها.
ويذكّر المصدر بأن الحزب وعد في الآونة الأخيرة بمعالجات هادئة للموضوع تخفف تلك الإجراءات الاستفزازية استجابة للجهود الرامية إلى وصل ما انقطع بين الحزب والطائفة من جهة والرئاسة الأولى من جهة أخرى، لكن شيئا من هذا لم يتحقق، وبقيت التدابير الاستفزازية حاضرة تفعل فعلها، خصوصا أن الحكم لم يبدِ أي مؤشرات تدل على استعداده للتقارب مع الحزب والثنائي عموما، وثبت استعداده للتراجع عما بدأ به ويعارضه الحزب.
وبناء عليه، يرى المصدر عينه أن دعوة قماطي الحكم إلى تصحيح العلاقة مع إيران قبل أن ينفد صبر الحزب، ليست للاستهلاك الإعلامي بل هي دعوة جادة، خصوصا أن الحزب يعدّ العدة اللازمة لتنفيذ الشق الثاني من التحذير المتعقب "الأساليب السلمية" الكثيرة.
اختصارا، ما لم يقله الحزب بلسان قماطي قاله المصدر إياه، وفحواه أن "التحذير هذه المرة أكثر جدية مما يظن البعض قياسا على تجارب مماثلة".