مؤسّس "لبنان الكبير"... طوباويّ على خريطة السّماء
ريمي الحويّك
أمام صورتك في صدر دارنا، لا أقفُ كحفيدةٍ أمام ذكرى، بل كغصنِ أرزٍ أمام أصلِه. لا أتأمّل تاجاً بطريركيّاً ولا تاجاً مُذهّباً، بل أتأمّل عينين أبصرتا لُبنان قبل أن يولد على خرائط الأرض.
لقّبوك بـ"رجُل العظائم"، وما كانت عظمتك في مضاهاة الملوك بِـ"فرساي"، بل في انحنائك الطّويل حتّى لامسَت جبهتك تراب الفقراء. أنت الصّوفيّ الّذي لم يغادر صومعته في خِضَمّ ضجيج السّياسة الدّوليّة، أنت السّياسيّ الّذي لم يترك حبّات مسبحته وهو يواجه السّفاحين بصلابةِ الصّخرِ البترونيّ.
فيما تتنازع البعض فكرة "لبنان الكبير" وهويّته وكيانه بين إنكارٍ وتنازلٍ ومقايضة، وبين تشكيكٍ ومحاولات تفكيك، يأتي الجواب حاسماً من فوق المذابح والصلوات، لا من سجالات الأرض والسّياسة. فالسّماء، بمنطقها الخاص، أصدرت حكمها.
يا عابراً من "حِلتا" إلى أروقة التّاريخ، حاملاً لُبنان كالقربان المقدّس في يديك، ها أنا، ريمي، أحمل اسمك صلاةً تجرح حنجرتي بالقداسة. يقولون إنّ "الدّم يحنّ"، وأنا أقول إنّ الدّم في عروقي لا يحنّ فحسب، بل يركع خاشعاً في شراييني كلّما مرّ طيفك في كنائس قلبي.
أنا ابنةُ هذا الإرث، حفيدةُ مَن عجنَ الصّخرَ بالإيمان حتّى صار خبزاً.
إنتمائي إليك، يا جدّي، ليس فخراً عابراً، بل مسؤوليّة راسخة أمام تاريخك العظيم.
كنت أرفع رأسي وأقول: أنا حفيدة من أسّس "لبنان الكبير".
أمّا اليوم، فماذا أقول؟
وأنت القدّيس المنتظر، الّذي سيرفع لبنان من حدود الجغرافيا إلى رحابة السّماء.
في ميلاد المسيح عام 1931، أتممت السّعي. رحلت "خالي الجيب" من حطام الدّنيا، لكنّك كنت "ممتلئ الكفّين" ببيادرٍ من صالح الأعمال. رفضت فخامة المقابر البطريركيّة، واخترت أن ترقد تحت أقدام بناتك الرّاهبات في "عبرين" كحبّة قمح تدفن في التّراب لتثمر في السّماء. اخترت بساطةً تليق بمن أدرك أنّ المجد الحقيقيّ لا يدفن في الرّخام، بل في الضّمائر.
اليوم، ونحن على أطراف أيّار، يوم إعلانك طوباويّاً على مذابح الكنيسة، لا ترتفع إلى السّماء، أنتَ فيها منذ الأزل، بل إنّ لبنان هو الّذي يرتفع بك.
اليوم، تميط الكنيسة السّتار عن روحك، يا من حملت لبنان كصلاةٍ عبر المجاعة والمنفى والحروب، حتى استقررت عند عتبة الطّوباويّة، لا كخاتمة، بل كسلّمٍ نحو ملكوت الله.
اليوم، لن نعلن طوباويّتك فحسب، بل سنقف أمام مرآة التّاريخ ونعلن توبتنا نحن، توبة وطنٍ تأخّر عن جوهره. سنركع لا لنطلب معجزة للجسد، بل لنستجدي معجزة للضمير، كي نتعلّم كيف نحبّ هذا الوطن كما أنت أحببته.
اليوم، تعلو أجراس "حصارات" لتعلن أنّ إيمانك الّذي ولد في البيوت الطّينيّة والقرى البسيطة والقلوب المتواضعة، هو الإيمان ذاته، ذاك الّذي حوّلته إلى "مختبَر السّماء"، حيث صغت المجد من طين التّواضع وزيت الصّبر، وقدت الأمّة بالبصيرة والزُهد... وصنعت وطناً.
كما "حلتا" و"بكركي" وسائر لُبنان، تصعد "حصارات " معك اليوم إلى المذبح، هنا، لا يسجد البشر وحدهم، بل ينحني الحجر والشّجر احتفاءً بطوباويّتك، وتكاد كلّ زيتونةٍ في روابيها أن تخشع لاسمك.
جدّي، علّمنا أن نكون كزيتون "حصارات"، جذورنا ضاربة في عمق الأرض وثمارنا شاخصة نحو السّماء.
بانتظار "عرس تمّوز"، العرس الّذي تتصالح فيه الأرض مع السّماء، يبقى الرّجاء حيّاً في أن تكتمل مسيرتك نحو القداسة، جدّي، الياس بطرس الحويّك قدّيس، قدّيس العائلة والوطن والإنسان.
جدّي، يا من نمت فقيراً لتمتلئ خزائن كرامتنا، أنا حفيدتك، أبّاً عن جِدّ، أشهد أمام التّاريخ، أنّ صليبك كان بوصلة التّائهين، وأنّ عباءتك كانت وطناً يسع الجميع.
أنا حفيدتك، أحمل إنجيلك الوطنيّ في أعماقي، كما أحمل في شيفرتي الوراثيّة "جينات لبنان الكبير" ونسب القداسة، سيبقى اسمك في بيتي أيقونةً وفي صلاتي بخوراً وفي وطني دستوراً.
أنا ريمي،
آل حويّك إمضائي... وللبنان انتمائي،
أنا سليلة دمٍّ ونسبٍ واسمٍ،
أنا سليلة مجدٍ وقدسٍ وأرزٍ،
أقولها واليقين يضيء داخلي، والكرامة ترفع هامتي:
"جدّي هو الّذي بنى هذا البيت... وأنا لن أترك بيتَ جدّي."