ما الغاية من كلام الشيخ نعيم قاسم... رسائل أم إعادة رسم المعادلة والمرجعية؟
قدّم الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، في خطابه الأخير بمناسبة ذكرى أربعين الإمام الحسين، في 4 آب، جردة حساب للمسار السياسي والميداني القائم، ورسم معالم مرحلة جديدة تتسم بالتصعيد الكلامي وإعادة التموضع السياسي الإقليمي، خصوصاً أنّ خطابه حمل تكراراً لمواقف سابقة معلومة، وأخرى جديدة قد يكون لها أبعادها السياسية والأمنية.
بطلان التفاوض والمطالبة بإيقاف "التنازلات"
اعتبر قاسم أن مسار المفاوضات المباشرة لم يجلب للبنان سوى "العار والذل والخيبة والتنازلات المجانية". يكرر "حزب الله" موقفه من المفاوضات المباشرة، ويضع نتائجها في سياق تحقيق الشروط الإسرائيلية الأميركية، فيحاول "شيطنتها" وإفراغها من مضمونها. ويجرّد الدولة من مشروعية تمثيل قوة الدفاع الوطنية على طاولة التفاوض، مفترضاً أن التفاوض من موقع الضعف يُعد استسلاماً وتجريداً للبنان من أوراق قوته التفاوضية والميدانية، مما يجعله القوة التفاوضية الوحيدة التي تحكم الأرض والميدان، والتي تملك أن تقدّم ما لا تملكه الدولة اللبنانية.

يتابع "الحزب" تصعيده الخطير ضد رأس الدولة، مع ما يمثل سياسياً ودستورياً وحتى عسكرياً، فاتهم قاسم السلطة السياسية بتقديم العون لإسرائيل، واصفاً الرئيس جوزاف عون بأنه تحوّل إلى "طرف ومفرّق" بدلاً من أن يكون حكماً جامعاً.
بحسب مراقبين، يمثل هذا التوصيف إسقاطاً لآخر خطوط التهدئة بين "حزب الله" ومؤسّسة الرئاسة. والرسالة الضمنية تفيد بأن "الحزب" لم يعد يعتبر المؤسسة الرسمية مظلة محايدة، بل يراها شريكاً تنفيذياً لمشروع يستهدفه، مما قد يؤسّس لمرحلة قطع الجسور ورفع غطاء المشروعية السياسية والشعبية عن تحركات السلطة.
في المقابل، لا تعني الدعوة إلى الحوار مبادرة حسنة النيّة، فالحوار بين المكونات شيء، أكان ضمن المؤسسات الدستورية أو خارجها، والحوار مع ما سمّاه قاسم "المقاومة" شيء آخر، خصوصاً أنه ربط الحوار بـ"خطوط المواجهة المفتوحة"، مما يعني أنّه يطرح رسائل إكراه وتهديد مغلّفة بشعار الحوار، مستكملاً فصول تهديداته، بوعيد مباشر لكل من "ينخرط في المشروع الإسرائيلي وينفذ خطوات ضده وضد المقاومة".
ما بين سطور الكلام، وبمعنى أدق، الحوار المطروح ليس تفاوضاً على سلاح "الحزب" أو إنهاء وجوده، بل حوار بشروط "الحزب" نفسه لاستعادة ما يراه استراتيجية دفاعية تكاملية. أما الوعيد بمواجهة الداخل، فيُعد خطاً أحمر مفاده بأن أيّ إجراء يستهدف السلاح سيُعامل معاملة "العدوان المباشر". وهذا يعني إسقاطا للخطوط الحمر داخلياً، ورسالة تهديد لكل صوت معارض أو منتقد لسلاح "الحزب" وسياساته.
مما حمله الخطاب من جديد، هو الانفتاح على دمشق، إذ أبدى قاسم عدم وجود مانع من عقد لقاء علني بين "حزب الله" والقيادة السورية في الوقت المناسب. هذه الايجابية في الحديث السياسي، من غير الجائز الاعتبار أن "الحزب" يجاري التغيرات الإقليمية المتغيّرة، بل على العكس، فبعد سلسلة التفجيرات التي حصلت في سوريا والتي توجهت فيها أصابع الاتهام إلى إيران، إضافة إلى شبكات تهريب الأسلحة وأنفاق الكبتاغون التي ضُبطت وتضعضع الساحة السورية، يحاول إرسال رسائل طمأنة وإعادة وصل ما انقطع مع سوريا، مما يعكس رغبة لدى "حزب الله" في كسر العزلة السياسية عبر الاستناد مجدداً إلى الحليف السوري لترميم جبهة الإسناد الخلفية، وسط معلومات عن اتصالات بحدّها الأدنى متواصلة في القناة الخلفية بين الضاحية ودمشق.
السلاح كسلاح موقف ووجود
في قراءة متأنية لمواقف الشيخ نعيم قاسم تؤكد مجدداً أن ملف سلاح "حزب الله" ليس مجرد ورقة تفاوضية أو أداة عسكرية، بل مسألة وجودية يرتبط حسمها كلياً بإرادة الولي الفقيه الغائب – الحاضر.
فالشيخ نعيم قاسم نفسه أقرّ مرة بأن قرار الحرب ووقفها هو قرار إيراني.
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أعلن أن لبنان قدم نحو 4 آلاف "شهيد" دفاعاً عن إيران الإسلامية.
وفي إحدى الكواليس النيابية، تحدث نائب من "حزب الله" مرّة عن أن المسألة "مش عنّا".